إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
890
زهر الآداب وثمر الألباب
ابن المعتز : يا ربّ جود جرّ فقر امرئ فقام للناس مقام الذليل فاشدد عرا مالك واستبقه فالبخل خير من سؤال البخيل وكتب بعض البخلاء يصف بخيلا : حضرت - أعزّك اللَّه - مائدة فلان للقدر المجلوب ، والحين المتاح « 1 » ، والشقاء الغالب ، فرأيت أواني تروق العيون محاسنها ، ويونق النفوس ظاهرها وباطنها ، وتزهى اللحظات ببدائع غرائبها ، وتستوفى الشهوات بلطائف عجائبها ، مكلَّلة بأحسن من حلى الحسان ووجوهها وزهر الرياض ونورها ؛ كأنّ الشمس حلَّت بساحتها ، والبدر يغرف من جوانبها فمددت يدا عنّتها الشراهة ، وغلبها القدر الغالب ، وجرّها الطمع الكاذب ، وإذا له مع كسر كل رغيف لحظة نكر ، ومع كل لقمة نظرة شزر ، وفيما بين ذلك حرق قائمة ، يصلى بها من حضره من الغلمان والحشم ، [ وقام بين يديه من الولدان ] والخدم ، ومع ذلك فترة المغشىّ عليه من الموت ؛ فلما وضعت الحرب أوزارها برفع الخوان ، وتخلت عنه سمادير الغشيان « 2 » ، بسط لسان جهله ، ونصر ما كان من بخله ، ونظر إلى مؤاكله ، نظر المسترقّ له بأكلته ، المالك لخيط رقبته ! يظنّ أنه أولى من والديه بنسبته ، وأحقّ بماله ، من ولده وعياله ، يرى ذلك [ فضلا ، وحقا لازما ، وأمرا واجبا ] نزل به الكتاب والسنة ، واتّفق عليه قضاة الأمة ، فإن دفعه رد حكم القضاة عليه ، وإن سمح به فغير محمود عليه . فقر لابن المعتز وغيره في الصديق والصدق إنما سمّى الصديق صديقا لصدقه فيما يدّعيه لك ، وسمّى العدو عدوا لعدوه
--> « 1 » أصل الحين - بالفتح - الهلاك ، والمتاح : المقدر المهيأ ( م ) « 2 » السمادير : شئ يتراءى للسكران بسبب ضعف بصره الناشئ عن السكر وهو أيضا ما يغشاك من دوار أو نعاس ( م )