إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

419

زهر الآداب وثمر الألباب

قرن النهار إلى قدمه ، قاعد كالكركىّ « 1 » ، أو الديك الهندي ، في هذا الأدحىّ « 2 » ، يمرّ بي أولو الحلى والحلل ، ويجتاز ذوو الخيل والخول « 3 » ، وما أنا والنّظر إلى مالا يلينى ، والسؤال عما لا يعنيني ، واليوم ، لما افتضضنا عذرة الصباح ، ملأت جفونى من منظر ما أحوجه إلى عيب يصرف عين كماله ، عن جماله ، فقلت لمن حضر : من هذا ؟ فأخذوا يحرّكون الرؤس استظرافا لحالى ، ويتغامزون تعجّبا من سؤالي ، وقالوا : هذا الشيخ الفاضل أبو إبراهيم إسماعيل بن أحمد ، فقلت : حرس اللَّه مهجته ، وأدام غبطته ؛ فكيف الوصول إلى خدمته ، وأنّى مأتى معرفته ؟ قالوا : إن الشيخ الإمام - أدام اللَّه تأييده - يضرب في مودّته بالقدح المعلَّى ، ويأخذ في معرفته بالحظَّ الاعلى ، فإن رأى الشيخ - أطال اللَّه بقاه - أن تجعل عنايته حرف الصلة ، وتفضّله لام المعرفة ، فعل ، إن شاء اللَّه . [ من أخبار البرامكة ] قال الرشيد ليحيى بن خالد : يا أبت ، إني أردت أن أجعل الخاتم الذي في يد الفضل إلى جعفر ، وقد احتشمت منه فاكفنيه . فكتب إليه يحيى : قد أمر أمير المؤمنين - أعلى اللَّه أمره - أن يحوّل الخاتم من يمينك إلى شمالك . فأجاب الفضل : قد سمعت ما قاله أمير المؤمنين في أخي ، وقد اطَّلعت على أمره ، وما انقلبت عنى نعمة صارت إليه ، ولا عزبت « 4 » عنى رتبة طلعت عليه . فقال جعفر : للَّه أخي ! ما أنفس نفسه ، وأبين دلائل الفضل عليه ، وأقوى منّة العقل فيه ، وأوسع في البلاغة ذرعه ، وأرحب بها جنابه . يوجب على نفسه ما يجب له ، ويحمل بكرمه فوق طاقته .

--> « 1 » الكركي : طائر يقرب من الوز ، أبتر الذنب ، رمادى اللون ، يأوى إلى الماء أحيانا ( م ) « 2 » الأدحى : المكان الذي تبيض النعام فيه من الرمل . « 3 » الخيل : أراد به الخيلاء ، والخول - بالتحريك - الخدم والعبيد والإماء ( م ) « 4 » كذا ، وعزبت معناه بعدت ، وأحسبه « غربت » لمقابلته بطلعت ( م )