إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
343
زهر الآداب وثمر الألباب
قال البديع : حدثني عيسى بن هشام قال : اشتهيت الأزاذ ، وأنا ببغداذ « 1 » ، وليس معي عقد ، على نقد « 2 » ، فخرجت أنتهز محالَّه ، حتى أحلَّنى الكرخ « 3 » ؛ فإذا أنا بسوادىّ يحدو بالجهد حماره ، ويطرّف بالعقد إزاره « 4 » ؛ فقلت : ظفرنا واللَّه بصيد ، وحيّاك اللَّه أبا زيد ! من أين أقبلت ؟ وأين نزلت ؟ ومتى وافيت ، فهلمّ إلى البيت . فقال السّوادى : لست بأبى زيد ، وإنما أبو عبيد ! فقلت : نعم لعن اللَّه الشيطان ، وأبعد النّسيان ، أنساني طول العهد بك ، كيف أبوك ، أشابّ كعهدى ، أم شاب بعدى ؟ « 5 » قال : قد نبت المرعى على دمنته « 6 » ، وأرجو أن يصيّره اللَّه إلى جنّته ، فقلت : إنّا للَّه ، ولا قوة إلا باللَّه ، ومددت يد البدار ، إلى الصّدار « 7 » أريد تمزيقه ، وأحاول تخريقه « 8 » فقبض السوادىّ على خصرى بجمعه « 9 » ؛ وقال : نشدتك باللَّه لا مزّقته ، فقلت : فهلم إلى البيت نصب غداء ، أو إلى السوق نشترى شواء ؛ والسوق أقرب ، وطعامه
--> « 1 » الأزاد : من أجود أنواع التمر ، وبغداذ : هي بغداد « 2 » ليس معي عقد على نقد : أي ليس معي نقود يعقد عليها الكيس والثوب « 3 » المحال : جمع محل ، والكرخ : من الجانب الغربى من بغداد « 4 » السوادى : الرجل من قرى العراق ، نسبة إلى السواد ، وسمى العراق سوادا لا كتساء أرضه بالخضرة ، ومعنى « يطرف بالعقد إزاره » أي يرد أحد طرفيه إلى الآخر « 5 » كعهدى : أي كعهدى به حين عرفته « 6 » الدمنة : آثار الديار ، ولا ينبت الربيع على الدمنة إلا حين يبعد عهدها بالخراب ، يريد أن أباه مات منذ زمن طويل . « 7 » البدار : المسارعة ، والصدار : قميص صغير يلي البدن « 8 » يريد أنه هم بتمزيق ثوبه من الحزن « 9 » جمع الكف - بضم الجيم - قبضته