إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
400
زهر الآداب وثمر الألباب
ولم ينظر لك علينا ، فقد تعرّضت للشهادة بجهدك ، إلَّا أن اللَّه علم حاجة أهل الإسلام إليك ، فأبقاك لهم بخذلان من معك . فصدر الناس عن كلامه . ويتعلق بهذه المقامة فصل في غرائب التكاتب كتب حمدون بن نهران إلى عامل عزل عن عمله : بلغني أعزّك اللَّه انصرافك عن عملك ، ورجوعك إلى منزلك ؛ فسررت بذلك ، ولم أستفظعه وأجزع له ؛ لعلمي بأنّ قدرك أجلّ وأعلى من أن يرفعك عمل تتولَّاه ، أو يضعك عزل عنه ؛ وو اللَّه لو لم تختر الانصراف وترد الاعتزال لكان في لطف تدبيرك ، وثقوب رويّتك ، وحسن تأتّيك ، ما تزيل به السبب الداعي إلى عزلك ، والباعث على صرفك ؛ ونحن إلى أن نهنئك بهذه الحال أولى بنامن أن تعزّيك ؛ إذ أردت الانصراف فأوتيته ، وأحببت الاعتزال فأعطيته ، فبارك اللَّه لك في منقلبك ، وهنّاك النعم بدوامها ، ورزقك الشّكر الموجب لها الزائد فيها . وكتب ابن مكرم إلى نصراني أسلم : أمّا بعد فالحمد للَّه الذي وفّقك لشكره ، وعرّفك هدايته ، وطهّر من الارتياب قلبك ، وما زالت مخايلك ممّثلة لنا حقيقة ما وهب اللَّه فيك ، حتى كأنّك لم تزل بالإسلام موسوما ، وإن كنت على غيره مقيما ، وكنا مؤمّلين لما صرت إليه ، مشفقين مما كنت عليه ، حتى إذا كاد إشفاقنا أن يستعلى رجاءنا أنت السعادة بما لم تزل الأنفس تعدّ منك ؛ فأسأل اللَّه الذي أضاء لك سبيل رشدك أن يوفّقك لصالح العمل ، وأن يؤتيك في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ، ويقيك عذاب النار . قال بعض الكتاب : من الحقّ ما يستحسن تركه ، ويستهجن عمله ، وقد يقع من ذلك فيما يحلَّه الشرع ، ويكرهه الأدباء ؛ وكثير ممن يغلب على طبعه هذا المعنى يراه سموّ نفس ، وعلوّ همة ، حتى رأينا من لا يحضر تزويج