إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

436

زهر الآداب وثمر الألباب

أقام زمانا يسمع القول صامتا ونحسبه إن رام أكدى وأصلدا [ فلما امتطاه راكبا ذلّ صعبه وسار فأضحى قد أغار وأنجدا ] والفتح بن خاقان يقول : وإني وإياها لكالخمر ، والفتى متى يستطع منها الزيادة يزدد إذا ازددت منها زاد وجدى بقربها فكيف احتراسى من هوى متجدّد وكتب إلى أبى الحسن عبيد اللَّه بن يحيى : وإن أمير المؤمنين لمّا استخلصك لنفسه ، وائتمنك على رعيّته ؛ فنطق بلسانك ، وأخذ وأعطى بيدك ، وأورد وأصدر عن رأيك ، وكان تفويضه إليك بعد امتحانه إياك ، وتسليطه الحقّ على الهوى فيك ، وبعد أن مثّل بينك وبين الذين سموا لمرتبتك ، وجروا إلى غايتك ، فأسقطهم مضاؤك ، وخفّوا في ميزانك ، ولم يزدك - أكرمك اللَّه - رفعة وتشريفا إلَّا ازددت له هيبة وتعظيما ، ولا تسليطا وتمكينا ، إلا زدت نفسك عن الدنيا عزوفا وتنزيها ، ولا تقريبا واختصاصا ، إلا ازددت بالعامة رأفة وعليها حدبا ، لا يخرجك فرط النصح له عن النظر لرعيّته ، ولا إيثار حقّه عن الأخذ بحقّها عنده ، ولا القيام بما هو له عن تضمين ما هو عليه ، ولا يشغلك معاناة كبار الأمور عن تفقّد صغارها ، ولا الجدّ في صلاح ما يصلح منها عن النظر في عواقبها ؛ تمضى ما كان الرّشد في إمضائه ، وترجىء ما كان الحزم في إرجائه ، وتبذل ما كان الفضل في بذله ، وتمنع ما كانت المصلحة في منعه ، وتلين في غير تكبّر ، وتخصّ في خير ميل ، وتعمّ في غير تصنّع ، لا يشقى بك المحقّ وإن كان عدوّا ، ولا يسعد بك المبطل وإن كان وليّا ؛ فالسلطان يعتدّ لك من الغناء والكفاية ، والذّبّ والحياطة ، والنّصح والأمانة ، والعفّة والنزاهة ، والنصب فيما أدّى إلى الراحة ، بما يراك معه - حيث انتهى إحسانه إليك - مستوجبا للزيادة وكافة الرعية - إلا من غمط منهم النّعمة - مثنون عليك بحسن السيرة ، ويمن النقيبة ، ويعدّون من مآثرك أنك لم تدحض لأحد حجّة ؛ ولم تدفع حقّا