إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

67

زهر الآداب وثمر الألباب

[ من كلام أبى بكر رضي اللَّه تعالى عنه ] ودخل أبو بكر الصديق رضوان اللَّه عليه ، على النبي عليه الصلاة والسلام وهو مسجّى بثوب « 1 » ، فكشف عنه الثوب وقال : بأبى أنت وأمي ! طبت حيّا وميّتا ، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوّة ، فعظمت عن الصفة ، وجللت عن البكاء ، وخصصت حتى صرت مسلاة ، وعممت حتى صرنا فيك سواء . ولولا أنّ موتك كان اختيارا منك لجدنا لموتك بالنفوس ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفدنا عليك ماء الشؤون « 2 » . فأمّا ما لا نستطيع نفيه عنّا فكمد وإدناف « 3 » يتحالفان ولا يبرحان . اللهم فأبلغه عنا السلام ، اذكرنا يا محمد عند ربّك ، ولنكن من بالك ؛ فلو لا ما خلَّفت من السكينة لم نقم لما خلَّفت من الوحشة ؛ اللهم أبلغ نبيّك عنا واحفظه فينا ، ثم خرج . قوله رضي اللَّه عنه : « لولا أن موتك كان اختيارا منك » إنّما يريد قول النبي صلى اللَّه عليه وسلم : لم يقبض نبىّ حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخيّر . قالت عائشة رضي اللَّه عنها : فسمعته وقد شخص بصره وهو يقول : في الرفيق الأعلى ! فعلمت أنه خيّر ، فقلت : لا يختارنا إذن ، وقلت : هو الذي كان يحدثنا . وهو صحيح . وكان أبو بكر لما توفى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في أرضه بالسّنح « 4 » فتواترت إليه الرسل ، فأتى وقد ذهل الناس ، فكانوا كالخرس ، وتفرقت أحوالهم ، واضطربت أمورهم ، فكذّب بعضهم بموته ، وصمت آخرون فما تكلَّموا إلا بعد [ التغير ] ، وخلط آخرون فلاثوا « 5 » الكلام بغير بيان ، وحق لهم ذلك للرزيّة

--> « 1 » مسجى : مغطى « 2 » الشؤون : عروق الدمع « 3 » الإدناف : المرض الثقيل « 4 » السنح - بضم السين وسكون النون - موضع قرب المدينة ، وكان به منزل أبى بكر رضي اللَّه عنه . « 5 » لاثوا : خلطوا .