إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

275

زهر الآداب وثمر الألباب

وهذه الأشياء وإن كانت ناقصة عن المسك ، فهي ممدوحة بالطيب ، غير مستغنى عن ذكرها في التشبيه ؛ فأما زيادته على جميع من تعاطى مدح السواد فقوله : سوداء لم تنتسب إلى برص الشّقر ولا كلفة ولا بهق « 1 » والأبيض الشديد البياض معيب ، وقد دلّ عليه قوله : وبعض ما فضّل السواد به والحقّ ذو سلَّم وذو نفق ألَّا يعيب السّواد حلكته وقد يعاب البياض بالبهق « 2 » قوله : « الحق ذو سلَّم وذو نفق » أراد أنّ الحقّ يتصرّف في جهات ، وضرب الصعود والنزول لذلك مثلا ؛ ثم قصد لوصف هذه السوداء بالكمال في الصفة ؛ ومن عيب السّودان أن أكفّهم عابسة « 3 » متشقّقة ، وأطرافهم ليست بناعمة لينة ، وكذلك لا يزال الفلح في شفاههم ، وهي الشقوق المذمومة الموجودة في أكثر السودان في أوساط الشفاه ، وأيضا فإن الأسود مهجو بخبث العرق ، فنفى هذه الصفات المذمومة الموجودة في أكثر السودان عنها ، فقال : ل يست من العبس الأكفّ ولا ال فلح الشّفاه الخبائث العرق ثم عاج بخاطره على وصف هذه السوداء بأضداد تلك الصفات المذمومة ، فقال : في لين سمّورة تخيّرها الفرّاء أو لين جيّد الدّلق « 4 » ومن بديع مدح السوداء قوله : أكسبها الحبّ أنها صبغت صبغة حبّ القلوب والحدق فانصرفت نحوها الضمائر وال أبصار يعشقن أيّما عشق فأخبر أنّ القلوب إنما أحبتها بالمجانسة التي بينها وبين حبّ القلوب من السواد ، وكذلك الحدق .

--> « 1 » الكلفة : النمش يوجد في الوجه ، والبرص والبهق معروفان « 2 » الحلكة : شدة السواد ، ومنه قولهم : ظلام حالك « 3 » عابسة : يابسة ، وفعله عبس - من باب فرح - أي يبس ( م ) . « 4 » الدلق : دويبة كالسمورة