إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
250
زهر الآداب وثمر الألباب
أجدّك لا آتيك إلَّا تتابعت دموع ، أضاعت ما حفظت ، سواكب ديار تنسّمت المنى نحو أرصها وطاوعنى فيها الهوى والحبائب ليالي لا الهجران محتكم بها على وصل من أهوى ولا الظَّن كاذب [ الأدب في مجلس الحكم ] تنازع إبراهيم بن المهدى وابن بختيشوع الطبيب بين يدي أحمد بن أبي داود في مجلس الحكم في عقار بناحية السّواد ، فأربى عليه إبراهيم وأغلظ له ، فأحفظ ذلك ابن أبي داود ، فقال : يا إبراهيم ، إذا نازعت في مجلس الحكم بحضرتنا امرءا فلا أعلمنّ أنك رفعت عليه صوتا ، ولا أشرت بيد ، وليكن قصدك أمما « 1 » ، وريحك ساكنة ، وكلامك معتدلا ، مع وفاء مجالس الخليفة حقوقها من التّعظيم ، والتوقير ، والاستكانة ، والتوجّه إلى الواجب ؛ فإن ذلك أشكل بك ، وأشمل لمذهبك في محتدك ، وعظيم خطرك ، ولا تعجلنّ ، فربّ عجلة تهب ريثا ، واللَّه يعصمك من خطل القول والعمل ، ويتم نعمته عليك كما أتمّها على أبو يك من قبل ، إن ربك حكيم عليم . فقال إبراهيم : أصلحك اللَّه تعالى ؛ أمرت بسداد ، وحضضت على رشاد ؛ ولست عائدا لما يثلم مروءتى عندك ، ويسقطنى من عينك ، ويخرجنى من مقدار الواجب إلى الاعتذار ، فهأنا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذار مقرّ بذنبه ، معترف بجرمه ، ولا يزال الغضب يستفزنى بمواده ، فيردنى مثلك بحلمه ، وتلك عادة اللَّه عندك وعندنا منك ؛ وقد جعلت حقّى من هذا العقار لابن بختيشوع ، فليت ذلك يكون وافيا بأرش الجناية عليه « 2 » ؛ ولم يتلف مال أفاده موعظة ؛ وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل « 3 » .
--> « 1 » أمم : قريب « 2 » الأرش : الدية « 3 » هذا الحديث بمثل جانبا من الحظ الذي ظفر به أحمد ابن أبي داود في عصره . وقد صحب هذا الرجل المأمون والمعتصم والواثق وعمل معهم جميعا . توفى سنة 240