إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
217
زهر الآداب وثمر الألباب
قال : واللَّه ما كنت إلا أنا وصاحب لي على حمار هزيل ! فضحك وعفا عنه ، وهو القائل : أهاجتك الظَّعائن يوم بانوا بذى الزّىّ الجميل من الأثاث « 1 » ظعائن أسلكت في بطن قوّ تحثّ إذا رنت أي احتثاث كأنّ على الهوادج يوم بانوا نعاجا ترتعى بقل البراث « 2 » يهيّجك الحمام إذا تغنّى كما سجع النّوادب بالمراثي [ من أدب ابن المعتز ] وقال ابن المعتز : وعد الدنيا إلى خلف ، وبقاؤها إلى تلف ، وبعد عطائها المنع ، وبعد أمانها الفجع ، طوّاحة طرّاحة ، آسية جرّاحة ، كم راقد في ظلَّها قد أيقظته ، وواثق بها قد خانته ، حتى يلفظ نفسه ، ويودّع دنياه ، ويسكن رمسه ، وينقطع عن أمله ، ويشرف على عمله ، وقد رجح الموت بحياته « 3 » ، ونقض قوى حركاته ، وطمس البلى جمال بهجته ، وقطع نظام صورته ، وصار كخطَّ من رماد تحت صفائح أنضاد « 4 » ؛ وقد أسامة الأحباب ، وافترش التّراب ، في بيت نجرته المعاول « 5 » ، وفرشت فيه الجنادل ، ما زال مضطربا في أمله ، حتى استقرّ في أجله ، ومحت الأيام ذكره ، واعتادت الألحاظ فقده . وكتب وهو معتقل إلى أستاذه أبى العباس أحمد بن يحيى ثعلب « 6 » يتشوّقه : ما وجد صاد بالحبال موثق بماء مزن بارد مصفّق « 7 » .
--> « 1 » الطعائن : جمع ظعينة ، وهي المرأة في الهودج ، والأثاث : متاع البيت . « 2 » البراث : الأرض السهلة . « 3 » رحج : مال كما ترجح كفة الميزان ( م ) . « 4 » صفائح أنضاد : الصفائح الحجارة العريضة ، وأنضاد : جمع نضد ، وهو المنحوت باستواء « 5 » العاول : جمع معول ، وهو آلة كالقدوم « 6 » كان ثعلب من أصدق أهل العربية لسانا ، وأبعدهم ذكرا ، وأثبتهم حفظا ، وكان في رأى المبرد أعلم الكوفيين . توفى في جمادى الآخرة سنة 291 « 7 » مصفق : صفقته الريح : أي لعبت به حتى لكأنه يصفق