إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
209
زهر الآداب وثمر الألباب
فقال : نعم أبيات لعروة بلغني أنك سمعته ينشدها ، فأنشدته الأبيات ، فلما بلغت قوله : فدنا وقال لعلَّها معذورة . . . البيت طرب ، وقال : هذا واللَّه الدائم الصّبابة ، الصادق العهد ، لا الذي يقول : إن كان أهلك يمنعونك رغبة عنّى فأهلى بي أضنّ وأرغب لقد عدا هذا الأعرابي طوره ، وانى لأرجو أن يغفر [ اللَّه ] لصاحب هذه الأبيات لحسن الظنّ بها ، وطلب العذر لها ؛ قال : فعرضت عليه الطعام فقال : لا واللَّه ما كنت لأخلط بهذه الأبيات طعاما حتى الليل ، وانصرف . وكان أبو السائب غزير الأدب ، كثير الطَّرب ، وله فكاهات مذكورة ، وأخبار مشهورة ، وكان جدّه يكنى أبا السائب أيضا ، وكان خليطا لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فكان النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم إذا ذكره قال : نعم الخليط كان أبو السائب ! لا يشارى ولا يمارى « 1 » واسم أبى السائب عبد اللَّه ، وكان أشراف أهل المدينة يستظرفونه ويقدمونه لشرف منصبه ، وحلاوة ظرفه . وكان عروة بن أذينة - على زهده ، وورعه ، وكثرة علمه وفهمه - رقيق الغزل كثيره ، وهو القائل : إذا وجدت أوار الحب في كبدي أقبلت نحو سقاء القوم أبترد هبني بردت ببرد الماء ظاهره فمن لنار على الأحشاء تتقّد ؟ وقد روى هذان البيتان لغيره
--> « 1 » المشاراة والمماراة : العنف في المجادلة