إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

193

زهر الآداب وثمر الألباب

وقال سعيد بن مسلم للمأمون : لو لم أشكر اللَّه تعالى إلَّا على حسن ما أبلاني من أمير المؤمنين من قصده إلىّ بحديثه ، وإشارته إلىّ بطرفه ؛ لقد كان في ذلك أعظم الرّفعة ، وأرفع ما توجبه الحرمة . فقال : يفعل أمير المؤمنين ذلك ؛ لأن أمير المؤمنين يجد عندك من حسن الإفهام إذا حدّثت وحسن الفهم إذا حدّثت ما لا يجده عند أحد ممن مضى ، ولا يظنّ أنه يجده عند أحد ممن بقي ، فإنك لتستقصى حديثي ، وتقف عند مقاطع كلامي ، وتخبر بما كنت أغفلته منه . وقال المتوكل لأبى العيناء : ما تحسن ؟ قال : أفهم وأفهم . وقال بعض الحكماء لتلميده ، وقد ضرب الموسيقى : أفهمت ؟ قال : نعم ، قال : بل لم تفهم ؛ لأنى لا أرى عليك سرور الفهم ! وقد قيل : من نظر إلى الربيع وأنواره ، والروض وأصباغه ، ولم يبتهج كان عديم حسّ ، أوسقيم نفس . ومر أبو تمام بايرشهر من أرض فارس ، فسمع جارية تغنّى بالفارسية ، فشاقه شجىّ الصوت ، فقال : ومسمعة تروق السمع حسنا ولم تصممه ، لا يصمم صداها ! لوت أوتارها فشجت وشاقت فلو يسطيع حاسدها فداها ولم أفهم معانيها ، ولكن ورت كبدي فلم أجهل شداها فكنت كأنني أعمى معنّى يحبّ الغانيات ولا يراها قال أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر : قلت لأبى تمام : أخذت هذا المعنى من أحد ؟ قال : نعم ، أخذته من قول بشار بن برد : يا قوم أذني لبعض الحىّ عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا قالوا : بمن لا ترى تهذى ؟ فقلت لهم : الأذن كالعين توفى القلب ما كانا وقال بشار أيضا في هذا المعنى : قالت عقيل بن كعب إذ تعلَّقها قلبي فأضحى به من حبّها أثر :