إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
190
زهر الآداب وثمر الألباب
ما أنساني سماع الأغانى من مطربات الغوانى « 1 » . نشأت سحابة من لفظك ، غيمها نعمة سابغة ، وغيثها حكمة بالغة ، سقت روضة القلب ، وقد جهدتها يد الجدب « 2 » ؛ فاهتزّت وربت ، واكتست ما اكتسبت . كتاب حسبته ساقطا إلىّ من السماء ، اهتزازا لمطلعه ، وابتهاجا بحسن موقعه ، تناولته كما يتناول الكتاب المرقوم ، وفضضته كما يفضّ الرّحيق المختوم « 3 » . كتاب كالمشترى شرف به المسير ، وقميص يوسف جاء به البشير . كتاب هو من الحسن ، روضة حزن ، بل جنّة عدن ، وفي شرح النفس وبسط الأنس برد الأكباد والقلوب ، وقميص يوسف في أجفان يعقوب . قد أهديت إلىّ محاسن الدنيا مجموعة في ورقه ، ومباهج الحلى والحلل محصورة في طبقه . كتاب ألصقته بالقلب والكبد ، وشممته شمّ الولد . ورد منك المسك ذكيا ، والزهر جنيّا ، والماء مريّا « 4 » ، والعيش هنيّا ، والسحر بابليّا « 5 » كتاب مطلعه أهلَّة الأعياد ، وموقعه موقع نيل المراد . كتاب وجدته قصير العمر ، كليالى الوصال بعد الهجر ، لم أبدأ به حتى استكمل ، وقارب الآخر منه الأوّل . كتاب منتقض الأطراف ، منقطع الأكتاف ، أبتر الجوارح ، مضطرب الجوانح ، كتاب كأنه توقيع متحرّز ، أو تعريض متبرز « 6 » ، كاد يلتقى طرفاه ، ويتقارب مفتتحه ومنتهاه . كتاب التقت طرفاه صغرا ، واجتمعت حاشيتاه قصرا . ما أظنني
--> « 1 » الغوانى : جمع غانية ، وأصلها المرأة التي استغنت بجمالها عن الزينة ، أو التي استغنت ببيت أبيها عن الأزواج ، وأراد هنا القيان ( م ) « 2 » أجهدتها : أشقتها ، والجدب : القحل « 3 » الرحيق المختوم : الخمر المعتقة التي لم تفض عن دنانها الأختام « 4 » مرىء : هنيء . « 5 » بابل : مدينه ينسب إليها السحر ، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم ( م ) « 6 » متبرز : متعفف ؛ ورجل برز ، وامرأة برزة : عفيف وعفيفة ؛ وكلاهما بسكون الراء