إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

163

زهر الآداب وثمر الألباب

كلام هو السّحر الحلال ، والماء الزّلال ، والبرود والحبر ، والأمثال والعبر ، والنعيم الحاضر ، والشباب النّاضر . نظرت منه إلى صورة الظَّرف بحتا ، وصورة البلاغة سبكا ونحتا ، ألفاظ هي خدع الدهر ، وعقد السحر . كلام يسرّ المحزون ، ويسهّل الحزون « 1 » ، ويعطل الدرّ المخزون . كلام بعيد من الكلف ، نقىّ من الكلف « 2 » كلام كما تنفس السّحر عن نسيمه ، وتبسم الدرّ عن نظيمه . ألفاظ تأنّق الخاطر في تذهيبها ، ومعان عنى الفهم بتهذيبها . ألفاظ حسبتها من رقّتها منسوخة في صحيفة الصّبا ، وظننتها من سلاستها مكتوبة في نحر الهوى . كلام كالبشرى بالولد الكريم ، قرع به سمع الشيخ العقيم . كلام قرب حتى أطمع ، وبعد حتى امتنع ، وقرب حتى صار قاب قوسين أو أدنى ، ثم [ سما و ] علا حتى صار بالمنزل الأعلى . رقيق المزاج ، حلو السماع ، نقىّ السّبك ، مقبول اللَّفظ . قرأت لفظا جليّا ، حوى معنى خفيّا ، وكلاما قريبا ، رمى غرضا بعيدا . لو أنّ كلاما أذيب به صخر ، أو أطفىء به جمر ، أو عوفي به مريض ، أو جبر به مهيض « 3 » لكان كلامه الذي يقود سامعيه إلى السجود ، ويجرى في القلوب كجرى الماء في العود . ألفاظه أنوار ، ومعانيه ثمار . كلامه أنس المقيم الحاضر ، وزاد الراحل المسافر . كلامه يصغى إليه المقبور ، وينتفض له العصفور . كلام يقضى حقّ البيان ، ويملك رقّ الحسن والإحسان ، كلام منه يجتنى الدّر ، وبه يعقد السّحر ، وعنده يعتب الدهر « 4 » وله ينشرح الصدر .

--> « 1 » الحزون : جمع حزن - بفتح الحاء - وهو ما غلظ من الأرض . « 2 » الكلف : نمش في الوجه ، لم تسلم منه صفحة القمر ! « 3 » مهيض : مكسور « 4 » يعتب : يصفو ، من أعتب إذا ترضى وأزال أسباب العتب