إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
125
زهر الآداب وثمر الألباب
ارجع إلى خلقك المعروف وارض به إنّ التخلق يأتي دونه الخلق « 1 » وكان يقول : ما توسّل إلىّ أحد بوسيلة هي أقرب إلىّ من يد سبقت منى إليه أتبعها أختها لتحسن ربّها وحفظها « 2 » ؛ لأنّ منع الأواخر يقطع لسان الأوائل . وقيل لجعفر رحمه اللَّه : إنّ أبا جعفر المنصور لا يلبس مذ صارت إليه الخلافة إلَّا الخشن ، ولا يأكل إلا الجشب « 3 » . فقال : يا ويحه ! مع ما مكَّن له من السلطان ، وجبى إليه من الخراج ! قالوا : إنما يفعل ذلك بخلا وجمعا للمال . فقال : الحمد للَّه الذي حرمه من دنياه ما ترك له من دينه . انتهى . قال : ومن دعاء جعفر رضي اللَّه عنه : اللهم إنك بما أنت أهل له من العفو أولى بما أنا أهل له من العقوبة . وكان عبد اللَّه [ بن معاوية بن عبد اللَّه ] بن جعفر عالما ، ناسبا ، وكان خطيبا مفوها ، وشاعرا مجيدا ، وكتب إلى بعض إخوانه : أما بعد ، فقد عاقنى الشكّ في أمرك عن عزيمة الرّأى فيك ، وذلك أنك ابتدأتني بلطف عن غير خبرة ؛ ثم أعقبتنى جفاء عن غير جريرة ؛ فأطمعنى أوّلك في إخائك ، وأيأسنى آخرك عن وفائك ؛ فلا أنا في غير الرجاء مجمع لك اطَّراحا ، ولا أنا في غد وانتظاره منك على ثقة ؛ فسبحان من لو شاء كشف بإيضاح الشكّ في أمرك عن عزيمة الرأي فيك ؛ فاجتمعنا على ائتلاف ، أو افترقنا على اختلاف ، والسلام . وهو القائل : رأيت فضيلا كان شيئا ملفّعا فكشّفه التمحيص حتى بدا ليا « 4 »
--> « 1 » التخلق : تكلف المرء ما ليس فيه من حسن الخلق . « 2 » رب الشئ : أصلحه « 3 » الجشب : هو الطعام القفار الذي لا إدام فيه « 4 » ملفع : مغطى ، وتقول : فلفع الشجر بالخضرة - ولعل الأصل « ملففا » بفاءين ( م ) .