وفيق سعد العاملي
38
أين الإنصاف
والتاريخ صريح بأن المدينة كانت تضيق على عثمان في كل مرة كان أبو ذر يزورها حاجاً أو زائراً ليجدد عهده برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلي ( عليه السلام ) لما له من ثقل ولما يتمتع به من حصانة ، ويحمله من أوسمة ، لا سيما وسام الصدق في الحديث الذي قلّده إياه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في حياته لعلمه ( صلى الله عليه وآله ) بأنه سوف يحتاجه في المستقبل . . وبما تميّز به من جرأة وشجاعة وصلابة اشتهر بها ، فكان عثمان يضيق عليه لأسباب حاول بعض المؤرخين تصويرها بأنها خلافات شخصية وحصرها بقضية بين مال المسلمين الذي كان عثمان ينفقه ، بل يبذره يميناً وشمالاً على قرابته وبطانته وحاشيته ، إلا أن ذلك لم يكن إلا مفردة من مفردات المواجهة والدور الذي كان يمارسه أبو ذر في تلك المرحلة . . والأمر أبعد من ذلك بكثير . . فكان يعود أدراجه إلى الشام ليتابع دوره الذي بدأه هناك بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . دور أبي ذر في الشام والربذة وقد كانت الشام بالنسبة إليه : " أرض مقدسة " ( 1 ) و " ثغراً من ثغور المسلمين " ( 2 ) و " أرض جهاد " ( 3 ) شارك في فتوحاتها ، ولم تكن منفى له أو سجن كما يظن كثيرون كالربذة منفاه الذي انقطع فيه قسراً عن الناس . والمتتبع للأخبار يعلم من خلال العبارات والمفردات المستعملة فيها أن دوره في الشام كان واسعاً لدرجة أنه " انغل الشام " ( 4 ) وأصبح له فيها جمهورٌ ينادي : " أبو ذر أبو ذر " ( 5 ) . . ولا بد كان له فيها علاقات وروابط شأنه شأن كل إنسان حل في بلد أو مرّ فيه أو استوطنه ، لا سيما إذا كان صاحب رسالة ودور تشهد له مواقفه وكلماته وما عاناه وتحمله في سبيله ، كما مر وكما سيأتي . جاء في الأنساب للبلاذري : " وقال عثمان يوماً : أيجوز للإمام أن يأخذ من المال ، فإذا أيسر قضى ؟
--> ( 1 ) الفتوح لابن أعثم ج 1 / 2 ص 375 . ( 2 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ج 8 ص 360 . ( 3 ) راجع الفتوح لابن أعثم ج 1 / 2 ص 375 وشرح النهج ج 8 ص 360 . ( 4 ) شرح النهج ج 2 ص 375 - 378 . ( 5 ) البدء والتاريخ للمطهر بن طاهر القدسي ط دار صادر ج 5 ص 94 .