عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
411
الذيل على طبقات الحنابلة
وكان عارفاً بأصول الدين ، ومعرفة المذهب والخلاف ، وبالحديث ، وبأسماء الرجال والتواريخ ، وباللغة العربية وغير ذلك ، وانتهت إليه معرفة الفقه بالعراق . ومن محفوظاته في المذهب : كتاب " الخرقي " و " الهداية " لأبي الخطاب . وذكر أنه طالع " المغنى " للشيخ موفق الدين ثلاثاً وعشرين مرة . وكان يستحضر كثيراً منه ، أو أكثره ، وعلق عليه حواشي ، وفوائد . وشرع في شرح " المحرر " فكتب من أوله قطعة ، وولي القضاء ، ودرس بالبشيرية ثم بالمستنصرية ، واستمر فيها إلى حين وفاته . وكان يورد دروساً مطولة فصيحة منقحة . وله اليد الطولى في المناظرة والبحث ، وكثرة النقل ، ومعرفة مذاهب الناس . وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد من غير مدافع . وأقر له الموافق والمخالف . وكان الفقهاء من سائر الطوائف يجتمعون به ، يستفيدون منه في مذاهبهم ، ويتأدبون معه ، ويرجعون إلى قوله ونقله لمذاهبهم ، ويردهم عن فتاويهم ، فيذعنون له ، ويرجعون إلى ما يقوله ، ويعترفون له بإفادتهم في مذاهبهم ، حتى ابن المطهر شيخ الشيعة : كان الشيخ تقي الدين يبين له خطأه في نقله لمذهب الشيعة فيذعن له . وقال له مرة بعض أئمة الشافعية - وقد بحث معه - أنت اليوم شيخ الطوائف ببغداد . وقال العلامة الشيخ شمس الدين البرزبي والد الشيخ شمس الدين مدرس المستنصرية : ما درس أحد بالمستنصرية منذ فتحت إلى الآن أفقه منه . ويوم وفاته قال الشيخ شهاب الدين عبد الرحمن بن عسكر شيخ المالكية : لم يبقَ ببغداد من يراجع في علوم الدين مثله . قرأ عليه جماعة من الفقهاء ، وتخرج به أئمة ، وأجاز لجماعة ، وما أظنه حدث . وكان في مبدأ أمره متزهداً قبل دخوله في القضاء . وكان ذا جلالة ومهابة ، وحسن شكل ولباس وهيئة ، وذكاء مفرط ، ولطف وكيس ومروءة ، وتلطف بالطلبة ، وعفة وصيانة في حكمه . وركبه دين في آخر عمره .