عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
402
الذيل على طبقات الحنابلة
وبقي مدة في القلعة يكتب العلم ويصنفه ، ويرسل إلى أصحابه الرسائل ، ويذكر ما فتح الله به عليه في هذه المرة من العلوم العظيمة ، والأحوال الجسيمة . وقال : قد فتح الله علي في هذا الحصن في هذه المرة من معاني القرآن ، ومن أصول العلم بأشياء ، كان كثير من العلماء يتمنونها ، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن ، ثم إنه منع من الكتابة ، ولم يترك عنده دواة ولا قلم ولا ورق ، فأقبل على التلاوة والتهجد والمناجاة والذكر . قال شيخنا أبو عبد اللّه بن القيم : سمعت شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ، ونور ضريحه ، يقول : إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة . قال : وقال لي مرة : ما يصنع أعدائي بي ؟ أنا جنتي وبستاني في صدري ، أين رحت فهي معي ، لا تفارقني ، أنا حبسي خلوة . وقتلي شهادة ، وإخراجي من بلدي سياحة . وكان في حبسه في القلعة يقول : لو بذلت ملء هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة أو قال : ما جزيتهم على ما نسبوا فيه من الخير ونحو هذا . وكان يقول في سجوده ، وهو محبوس : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، ما شاء الله . وقال مرة : المحبوس من حبس قلبه عن ربه ، والمأسور من أسره هواه . ولما دخل إلى القلعة ، وصار داخل سورها نظر إليه وقال : " فضرب بينهم بسور له باب ، باطنه فيه الرحمة ، وظاهره من قبله العذاب " " الحديد : 13 " . قال شيخنا : وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منة قط ، مع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف ، وهو مع ذلك أطيب الناس عيشاً ، وأشرحهم صدراً ، وأقواهم قلباً ، وأسرهم نفساً ، تلوح نضرة النعيم على وجهه وكنا إذا