عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

390

الذيل على طبقات الحنابلة

والدعاء له ، وَكَبَتَ أعداءه ، وهدى به رجالاً من أهل الملل والنحل ، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالباً ، وعلى طاعته ، أحيى به الشام ، بل والإسلام ، بعد أن كاد ينثلم بتثبيت أولي الأمر لما أقبل حزب التتر والبغي في خيلائهم ، فظُنت بالله الظنون ، وزلزل المؤمنون ، واشْرَأَب النفاق وأبدى صفحته . ومحاسنه كثيرة ، وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي ، فلو حلفت بين الركن والمقام ، لحلفت : إني ما رأيت بعيني مثله ، وأنه ما رأى مثل نفسه . وقد قرأت بخط الشيخ العلامة شيخنا كمال الدين بن الزملكاني ، ما كتبه سنة بضع وتسعين تحت اسم " ابن تيمية " كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع : أنه لا يعرف غير ذاك الفن ، وحكم أن أحداً لا يعرفه مثله . وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا منه في مذهبهم أشياء ، ولا يعرف أنه ناظر أحداً فانقطع منه ، ولا تكلم في علم من العلوم - سواء كان من علوم الشرع أو غيرها - إلا فاق فيه أهله ، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها . وقال الذهبي في معجمه المختصر : كان إماماً متبحراً في علوم الديانة ، صحيح الذهن ، سريع الإِدراك ، سيال الفهم ، كثير المحاسن ، موصوفاً بفرط الشجاعة والكرم ، فارغاً عن شهوات المأكل والملبس والجماع ، لا لذة له في غير نشر العلم وتدوينه والعمل بمقتضاه . قلت : وقد عرض عليه قضاء القضاة قبل التسعين ، ومشيخة الشيوخ ، فلم يقبل شيئاً من ذلك . قرأت ذلك بخطه . قال الذهبي : ذكره أبو الفتح اليعمري الحافظ - يعني ابن سيد الناس - في جواب سؤالات أبي العباس بن الدمياطي الحافظ ، فقال : ألْفَيتُه ممن أدرك عن العلوم حظاً . وكاد يستوعب السنن والآثار حفظاً ، إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته . وإن أفتى في الفقه فهو مدرك غايته ، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه ،