عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
259
الذيل على طبقات الحنابلة
ومشاهير الفضل . ظهرت عليه آثار العناية الإلهية ، منذ كان طفلاً . فعنى به والده . وأسمعه الحديث ، ودربه من صغره في الوعظ ، وبورك له في ذلك . وصار له قبول تام ، وبانت عليه آثار السعادة . وتوفى والده وعمره إذ ذاك سبع عشرة سنة ، فكفلته الجهة والده الإمام الناصر وتقدمت له بالجلوس للوعظ على عادة والده عند تربتها ، بعد أن خلعت عليه . فتكلم بما بهر به الحاضرين ، ولم يزل في تَرقّ من حاله ، وغلُوٌ من شأنه يذكر الدروس فقهاً ويواصل الجلوس وعظاً عند التربة المذكورة ، وبباب بدر . وكان يورد من نظمه كل أسبوع قصيدة في مدح الخليفة ، فحظى عنده ، وولاه ما تقدم ، وأذن له في الدخول إلى ولي عهده . ثم أوصى الناصر عند موته أن يغسله . وقال أيضاً : كان كامل الفضائل ، معدوم الرذائل ، أمر الناصر بقبول " شهادته وقلد الحسبة بجانبي بغداد ، وله ثلاث وعشرون سنة ، وكتب له الناصر على رأس توقيعه بالحسبة : حُسْن السمت ، ولزوم الصمت : أكسباك يا يوسف ، مع حداثة سنك - ما لم يترق إليه هِمَمُ أمثالك . فدُمْ على ما أنت بصدده . ومَن بورك له فيّ بشيء فليلزمه . والسلام . ثم روسل به إلى ملوك الأطراف ، فاكتسب مالاً كثيراً ، وأنشأ مدرسة بدمشق ، ووقف عليها وقوفاً متوفرة الحاصل . وأنشأ ببغداد بمحلة الحلبة مدرسة لم تتم ، وبمحلة الحربية دار قرآن ومدفناً . ثم ولي التدريس بالمستنصرية . ثم ولي أستاذ دارية الدار ، فلم يزر كذلك إلى أن قتل صبراً شهيداً بسيف الكفار عند دخول هولاكو ملك التتار إلى بغداد ، فقتل الخليفة المستعصم باللّه وأكثر أولاده ، وقتل معه أعيان الدولة والأمراء وشيخ الشيوخ وأكابر العلماء . وقتل أستاذ الدار محيي الدين وأولاده الثلاثة ، وذلك في صفر سنة ست وخمسين وستمائة بظاهر سور كلوذا ، رحمة اللّه عليهم .