عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
23
الذيل على طبقات الحنابلة
فأما قولهم : " أجمع الفقهاء على الفتوى بكفره وأنه مبتدع " فيا للّه العجب ، كيف يقع الإجماع ، وأحفظ أهل وقته للسنة ، وأعلمهم بها هو المخالف ؟ وما أحسن ما قال أبو بكر قاضي القضاة الشامي الشافعي ، لما عقد له مجلس ببغداد ، وناظره الغزالي ، واحتج عليه بأن الإِجماع منعقد على خلاف ما عملت به ، فقال الشامي : إذا كنت أنا الشيخ في هذا الوقت أخالفكم على ما تقولون ، فبمن ينعقد الإجماع ؟ بك ، وبأصحابك ؟ هذا مع مخالفة فقيه الإِسلام في وقته الذي يقال : إنه لم يدخل الشام بعد الأوزاعي أفقه منه ، ومعه خلق على أئمة الفقهاء ، والمناظرين والمحدثين ، هذا في الشام خاصة ، دع المخالفين لهؤلاء المجتمعين في سائر بلاد المسلمين - بغداد ومصر وغيرهما من أمصار المسلمين - مع إجماع السلف المنعقد على موافقة هؤلاء المخالفين لهم ، ولم يكن في المخالفين للحافظ من له خبرة بالسنة والحديث والآثار . ولقد عقد مرة مجلس لشيخ الإِسلام أبي العباس ابن تيمية ، فتكلم فيه بعض أكابر المخالفين ، وكان خطيب الجامع ، فقال الشيخ شرف الدين عبد اللّه أخو الشيخ : كلامنا مع أهل السنة ، أما أنت : فأنا أكتب لك أحاديث من الصحيحين ، وأحاديث من الموضوعات - وأظنه قال : وكلاماً من سيرة عنتر - فلا تميز بينهما - أو كما قال - فسكت الرجل . وأما قولهم : لا إن بني الحنبلي ، " وافقوا الجماعة " ، فهذا إما أن يكون صحيحاً ، أو غير صحيح ، فإن كان صحيحاً ، فهو تقية ونفاق منهم ، وإلا فكلام بني نجم الدّين الحنبلي ، وكلام أبيهم في إثبات الصوت كثير موجود ، وسنذكر إن شاء اللّه مما نقله الناصح الحنبلي خاصة في إثبات الصوت ما نذكره في مواضعه . وأما قوله : " ولا أنزهه تنزيهاً ينفي حقيقة النزول " فإن صح هذا عنه ، فهو حق ، وهو كقول القائل : لا أنزهه تنزيهاً ينفي حقيقة وجوده ، أو حقيقة كلامه ، أو حقيقة علمه ، أو سمعه وبصره ، ونحو ذلك .