عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
21
الذيل على طبقات الحنابلة
يجلس الحافظ بعد العصر . فلما كان بعض الأيام ، والناصح قد فرغ من مجلسه . وكان قد ذكر الإِمام أحمد رحمه الله في مجلسه - فدسوا إليه رجلاً ناقص العقل من بيت ابن عساكر فقال للناصح كلاماً معناه : إنك تقول الكذب على المنبر فضرب ذلك الرجل وهرب ، فأتبع ، فخبئ في الكلاسة ، فتمت لهم المكيدة بهذه الواقعة ، فمشوا إلى الوالي ، وقالوا له : هؤلاء الحنابلة ما قصدهم إلا الفتنة ، واعتقادهم يخالف اعتقادنا ، ثم إنهم جمعوا كبراءهم ، ومضوا إلى القلعة إلى الوالي ، وقالوا : نشتهي أن يحضر الحافظ عبد الغني . وكانت مشايخنا قد سمعوا بذلك ، فانحدروا إلى دمشق - خالي الإمام موفق الدين ؛ وأخي الإِمام أبي العباس أحمد البخاري ، وجماعة الفقهاء ، وقالوا : نحن نناظرهم ، وقالوا للحافظ : اقعد أنت لا تجيء ، فإنك حاد ونحن نكفيك . فاتفق أنهم أرسلوا إلى الحافظ من القلعة وحده فأخذوه ، ولم يعلم أصحابنا بذلك ، فناظروه . وكان أجهلهم يغري به فاحتدّ وكانوا قد كتبوا شيئاً من اعتقاداتهم وكتبوا خطوطهم فيه ، وقالوا له : اكتب خطك ، فلم يفعل ، قالوا للوالي : الفقهاء كلهم قد اتفقوا على شيء وهو يخالفهم . وكان الوالي لا يفهم شيئاً فاستأذنوه في رفع منبره ، فأرسلوا الأسرى فرفعوا ما قي جامع دمشق من منبر وخزانة ودرابزين ، وقالوا : نريد أن لا يجعل في الجامع إلا صلاة أصحاب الشافعي ، وكسروا منبر الحافظ ، ومنعوه من الجلوس ، ومنعوا أصحابنا من الصلاة في مقامهم في الجامع ، ففاتهم صلاة الظهر . ثم إن الناصح بن الحنبلي جمع السوقة وغيرهم ، وقال : إن لم يخلونا نصلَّي باختيارهم صلينا بغير اختيارهم . فبلغ ذلك القاضي - وهو كان صاحب الفتنة - فأذن لهم بالصلاة وخاف أن يصلى بغير إذنه . وكان الحنفية قد حموا مقصورتهم بالجند . ثم إن الحافظ ضاق صدره ، ومضى إلى بعلبك ، فأقام بها مدة يقرأ الحديث . وكان الملك العادل في بلاد الشرق فقال أهل بعلبك للحافظ : إن اشتهيت جئنا معك إلى دمشق نؤذي من أذاك ، فقال : لا ، ثم إنه توجه إلى مصر ، ولم يعلم أصحابنا بسفره ، فبقي مدة بنابلس يقرأ الحديث .