عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
196
الذيل على طبقات الحنابلة
مجلس حكم : فذلك غير منكر ، وهو العادة الجارية في المواسم عند هذا الفقيه المفتي وجماعته ، ومجالس التذكير في سائر بلاد الإسلام " . فلما عاد جوابه إلى الشيخ الموفق : كتب في ظهرها بخطه ما مضمونه " كنت أتخيل في الناصح : أن يكون إماماً بارعاً ، وأفرح به للمذهب ؛ لما فضله اللّه به من شرف بيته ، وإعراق نسبه في الإِمامة ، وما آتاه الله تعالى من بسط اللسان ، وجراءة الجنان ، وحدة الخاطر ، وسرعة الجواب ، وكثر الصواب . وظننت أنه يكون في الفتوى مبرزاً على أبيه وغيره ، إلى أن رأيت له فتاوى غيره فيها أسد جواباً ، وأكثر صواباً . وظننت أنه ابتلي بذلك لمحبته تخطئة الناس ، واتباعه عيوبهم . ولا يبعد أن يعاقب الله العبد بجنس ذنبه - إلى أن قال : والناصح قد شغل كثيراً من زمانه بالرد على الناس في تصانيفهم وكشف ما استتر من خطاياهم ومحبة بيان سقطاتهم . ولا يبلغ العبد حقيقة الإِيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه ، أفتراه يحب لنفسه بعد موته من ينتصب لكشف سقطاته ، وعيب تصانيفه وإظهار أخطائه . وكما لا يحب ذلك لنفسه ينبغي أن لا يحبه لغيره ، سيما للأئمة المتقدمين ، والعلماء المبرزين . وقد أرانا الله تعالى آية في ذهابه عن الصواب في أشياء تظهر لمن هو دونه . فمن ذلك : في فتياه هذه خطأ من وجوه كثيرة . منها : أنه إنما أذن له بقرينة الحال في جواب السؤال ، فعدوله إلى الرد على من قبله تصرف في الكتابة في ورقة غيره ، بما لم يؤذن له فيه . وذلك حرام . ومنها : أن قرينة أحوالهم تدل على أنهم إنما أذنوا في الجواب بما يوافق المفتي قبله ، فالكتابة بخلاف ذلك غير مأذون فيها ، ولذلك أحوج إلى قطع ورقتهم ، وذهاب فتياه منها . ومنها : أنهم سألوا عن السماع الجامع لهذه الخصال المذكورة ، على وجه يتخذ ديناً وقربة . فلم يجب عن ذلك ، وعدل إلى ذكر بعض الخصال المذكورة