عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
116
الذيل على طبقات الحنابلة
ولأن " أن " قد جاءت بعدها صريحة في قوله تعالى : أَيَوَدُ أَحَدُكُمْ أَنْ تكونَ لهُ جَنَّةٌ " البقرة : 266 " ، وإنما لم تنصب ، لأن " لو " قد تعددت معانيها ، فلم تختص ، وجرت مجرى " حتى " في الأفعال . والقسم الأول يرد في اللغة على خمسة أوجه . أحدها : أن تدل على كلام لا نفي فيه ، كقولك : لو قمتَ قمتُ ، ويفيد ذلك امتناع قيامك لامتناع قيامه . والثاني : أن تدخل على نفيين ، فيصير المعنى إلى إثباتهما ، كقولك : لو لم تزرني لم أكرمك ، أي أكرمتك لأنك زرتني ، فانقلب النفي ههنا إثباتاً ، لأن " لو " أمتنا ، والامتناع نفي ، والنفي إذا دخل على النفي صار إيجاباً . والثالث : أن يكون النفي فيما دخلت عليه دون جوابها ، كقولك : لو لم تشتمه لأكرمك ، فالشتم واقع ، والإِكرام منتفٍ ، والامتناع أزال النفي ، وبقي الإيجاب بحاله . والرابع : عكس الثالث ، وهو قولك : لو أحسن إليك لم تسيء إليه ، والمعنى معلوم . والخامس : آن تقع للمبالغة ، فلا تفيد مفادها في الوجوه الأُول ، كقول عمر رضي الله عنه " نعم العبد صهيب ، لو لم يخف الله لم يعصه " ، والمعنى : أنه لو لم يكن عنده خوف لما عصى ، فكيف يعصى وعنده خوف . ولو لم يرد المبالغة لكان معنى ذلك : أنه يعصي الله ، لأنه يخافه . وقال أيضاً : " لو " في الموضع اللغوي تعلق فعلاً بفعل ، والفعل الأول علة الثاني ، إلا أن يكون هنا قرينة صارفة تصرفها عن هذا الأصل . وهو أن يدل المعنى على إرادة المبالغة ، كقولك : لو أهين زيد لأحسن إلى من يهينه ، والمعنى : أنه إذا أكرم كان أولى بالإحسان ، لا أنه إذا لم يهن لم يحسن . ومن كلامه " بله " تستعمل على ثلاثة أوجه .