الشيخ السبحاني

50

في ظلال التوحيد

العبادة ، وهو فيما إذا دعا شخصا بما أنه إنسان وعبد من عباد الله غير أنه قادر على إنجاز طلبه بإقدار منه تعالى وإذن منه ، فليس مثل هذه الدعوة عبادة ، بل سنة من السنن الإلهية في الكون ، هذا هو ذو القرنين يواجه قوما مضطهدين يطلبون منه أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدا فعند ذلك يخاطبهم ذو القرنين بقوله : { ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما } ( 1 ) وها هو الذي من شيعة موسى يستغيث به ، يقول سبحانه : { فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه } ( 2 ) وهذا هو النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) يدعو قومه للذب عن الإسلام في غزوة أحد وقد تولوا عنه ، قال سبحانه : { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم } ( 3 ) فهذا النوع من الدعاء قامت عليه الحياة البشرية ، فليس هو عبادة ، وإنما هو توسل بالأسباب ، فإن كان السبب قادرا على إنجاز المطلوب كان الدعاء أمرا عقلائيا وإلا يكون لغوا وعبثا . ثم إن القائلين بأن دعاء الصالحين عبادة ، عند مواجهتهم لهذا القسم من الآيات وما تقتضيه الحياة الاجتماعية ، يتشبثون بكل طحلب حتى ينجيهم من الغرق ويقولون إن هذه الآيات تعود على الأحياء ولا صلة لها بدعاء الأموات ، فكون القسم الأول جائزا وأنه غير عبادة ، لا يلازم جواز القسم الثاني وكونه غير عبادة . ولكن عزب عن هؤلاء أن الحياة والموت ليسا حدين للتوحيد والشرك ولا ملاكين لهما ، بل هما حدان لكون الدعاء مفيدا أو لا ، وبتعبير آخر ملاكان للجدوائية وعدمها .

--> ( 1 ) الكهف : 95 . ( 2 ) القصص : 15 . ( 3 ) آل عمران : 153 .