الشيخ السبحاني

22

في ظلال التوحيد

فهل ترى أن الطواف حول التراب والجبال والحجر عبادة لهذه الأشياء بحجة أنه خضوع لها ؟ ! إن شعار المسلم الواقعي هو التذلل للمؤمن والتعزز على الكافر ، قال سبحانه : { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } ( 1 ) . فمجموع هذه الآيات وجميع مناسك الحج يدلان بوضوح على أن مطلق الخضوع والتذلل ليس عبادة . ولو فسرها أئمة اللغة بالخضوع والتذلل ، فقد فسروها بالمعنى الأوسع ، فلا محيص حينئذ عن القول بأن العبادة ليست إلا نوعا خاصا من الخضوع . ولو سمي في بعض الموارد مطلق الخضوع عبادة ، فإنما سمي من باب المبالغة والمجاز ، يقول سبحانه : { أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا } ( 2 ) فكما أن إطلاق اسم الإله على الهوى مجاز فكذا تسمية متابعة الهوى عبادة له ، ضرب من المجاز . ومن ذلك يعلم مفاد قوله سبحانه : { ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم } ( 3 ) . فإن من يتبع قول الشيطان فيتساهل في الصلاة والصيام ، ويترك الفرائض أو يشرب الخمر ويرتكب الزنا ، فإنه بعمله هذا يقترف المعاصي ، لا أنه يعبده كعبادة الله ، أو كعبادة المشركين للأصنام ، ولأجل ذلك لا يكون مشركا محكوما عليه بأحكام الشرك ، وخارجا عن عداد المسلمين ، مع أنه من عبدة الشيطان لكن بالمعنى الوسيع الأعم من الحقيقي والمجازي .

--> ( 1 ) المائدة : 54 . ( 2 ) الفرقان : 43 . ( 3 ) يس : 60 - 61 .