الشيخ السبحاني
147
في ظلال التوحيد
وقال : وقد تنبأ الرسول بما سيصيب سنته الشريفة ويصيب المسلمين فيما بعد على أيدي الكذابين ووضاعي الحديث وأعداء الإسلام ، وفي الوقت نفسه أخبر عمن يقف في وجه هذا الخطر العظيم إذ قال : " يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحوير الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد " ( 1 ) . روى السيوطي أن عثمان بن عفان لما أراد أن يكتب المصاحف ، أراد أن يحذف الواو التي في سورة براءة في قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } ( 2 ) . قال أبي بن كعب : لتلحقنها أو لأضعن سيفي على عاتقي ( 3 ) . فإن الخليفة كان يريد أن يقرأ قوله تعالى : { والذين يكنزون } بدون واو العطف ، لتكون هذه الجملة وصفا للأحبار واليهود . وهذا مضافا إلى كونه خلاف التنزيل وتغييرا فيما نزل به الوحي كما تلاه الرسول وقرأه على مسامع القوم ، فإن حذف الواو كان يعني أن آية حرمة الكنز سوف لا تشمل المسلمين بل ستبقى صفة للأحبار والرهبان . وكان يقصد من هذه إضفاء طابع الشرعية على اكتناز الأموال الطائلة . وهذا يكشف عن مدى حفظ الأمة لنص الكتاب بهذه الصورة الدقيقة الأمينة ، بيد أن حفظ الأمة كان محدودا لا يتجاوز هذا الحد ، إذ كان غير شامل لجوانب أخرى من الشريعة وأصولها ومصادرها وينابيعها .
--> ( 1 ) الكشي ، الرجال : ص 5 . ( 2 ) التوبة : 34 . ( 3 ) الدر المنثور 3 : 232 .