الشيخ السبحاني

108

في ظلال التوحيد

فقد كان البسطاء يخوضون في تفسيرها من دون إرجاعها إلى المحكمات التي هي أم الكتاب وما هذا إلا لقصور أفهامهم وقلة بضاعتهم العلمية ، فكان واجبهم السكوت وسؤال الراسخين في العلم ، دون الخوض فيها . إن للشيخ الرئيس أبي علي ابن سينا نصيحة لطلاب الفلسفة والحكمة ، يحثهم على عدم إذاعة ذلك العلم بين أناس ليس لهم قابلية التفكير الواسع ، فيقول في آخر كتاب الإشارات : " أيها الأخ إني قد مخضت لك في هذه الإشارات عن زبدة الحق ، وألقمتك قفي ( 1 ) الحكم في لطائف الكلم . فصنه عن الجاهلين والمبتذلين ومن لم يرزق الفطنة الوقادة والدربة والعادة وكان صغاه ( 2 ) مع الغاغة ، أو كان من ملحدة هؤلاء الفلاسفة ومن همجهم ، فإن وجدت من تثق بنقاء سريرته واستقامة سيرته وبتوقفه عما يتسرع إليه الوسواس ، وينظر إلى الحق بعين الرضا والصدق فآته ما يسألك منه مدرجا مجزءا مفرقا تستفرس مما تسلفه لما تستقبله . وعاهده بالله وبأيمان لا مخارج لها ليجري فيما يأتيه مجراك متأسيا بك فإن أذعت هذا العلم أو أضعته فالله بيني وبينك وكفى بالله وكيلا " ( 3 ) . 4 - التعصب الممقوت وهناك سبب آخر لا يقل تأثيره عما سبق من الأسباب وهو تقليد الآباء والأجداد ، وصيانة كيانهم وسننهم ، فإن اتباع الأهواء القبلية والقومية وما شاكل فإنها من أعظم سدود المعرفة وموانعها ، وهي التي منعت الأمم عبر التاريخ من

--> ( 1 ) القفي : الشئ الذي يؤثر به للصنف . ( 2 ) صغاه : ميله . ( 3 ) كتاب الإشارات 3 : 419 .