الملا فتح الله الكاشاني

77

زبدة التفاسير

وقدّم الكفر لأنّه الأغلب عليهم والأكثر فيهم . وقيل : هو الَّذي خلقكم ، فمنكم كافر بالخلق وهم الدهريّة ، ومنكم مؤمن به . ولا يجوز حمل الكلام على أنّ اللَّه سبحانه خلقهم مؤمنين وكافرين كما هو مذهب الأشاعرة ، لأنّه لم يقل كذلك ، بل أضاف الكفر والإيمان إليهم وإلى فعلهم ، ولذلك يصحّ الأمر والنهي ، والثواب والعقاب ، وبعثة الأنبياء . على أنّ اللَّه سبحانه لو جاز أن يخلق الكفر والقبائح لجاز أن يبعث رسولا يدعو إلى الكفر والضلال ، ويؤيّده بالمعجزات ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا . هذا وقد قال سبحانه : * ( فِطْرَتَ اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ) * « 1 » . وقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « كلّ مولود يولد على الفطرة ، وإنّما أبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه » . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حكاية عن اللَّه سبحانه : « خلقت عبادي كلَّهم حنفاء » . ونحو ذلك من الأخبار كثير . إن قيل : سلَّمنا أنّ العباد هم الفاعلون للكفر ، ولكن قد سبق في علم اللَّه الحكيم أنّه إذا خلقهم لم يفعلوا إلَّا الكفر ، ولم يختاروا غيره ، فما دعاه إلى خلقهم مع علمه بما يكون منهم ؟ وهل خلق القبيح وخلق فاعل القبيح إلَّا واحد ؟ وهل مثله إلَّا مثل من وهب سيفا باترا « 2 » لمن شهر بقطع السبيل وقتل النفس المحرّمة ، فقتل به مؤمنا ؟ أما يطبق العقلاء على ذمّ الواهب للسيف وتعنيفه كما يذمّون القاتل ؟ بل قصدهم باللوائم على الواهب أشدّ ؟ قلنا : قد علمنا أنّ اللَّه حكيم ، عالم بقبح القبيح ، عالم بغناه عنه ، فقد علمنا أنّ أفعاله كلَّها حسنة ، وخلق فاعل القبيح فعله ، فوجب أن يكون حسنا ، وأن يكون له وجه حسن . وخفاء وجه الحسن علينا لا يقدح في حسنه ، كما لا يقدح في حسن أكثر مخلوقاته جهلنا بداعي الحكمة إلى خلقها .

--> ( 1 ) الروم : 30 . ( 2 ) أي : قاطعا .