الملا فتح الله الكاشاني
38
زبدة التفاسير
ثمّ عطف سبحانه على ما تقدّم حديث الأنبياء الصابرين على البلوى ، فقال : * ( وَاذْكُرْ ) * يا محمّد لأمّتك * ( عِبادَنا إِبْراهِيمَ وإِسْحاقَ ويَعْقُوبَ ) * ليقتدوا بهم في حميد أفعالهم وكريم خلالهم ، فيستحقّوا بذلك حسن الثناء في الدنيا وجزيل الثواب في العقبى ، كما استحقّ هؤلاء الأنبياء . وقرأ ابن كثير : عبدنا ، فوضع الجنس موضع الجمع ، على أنّ إبراهيم وحده - لمزيد شرفه - عطف بيان له ، ثمّ عطف ذرّيّته على : عبدنا . * ( أُولِي الأَيْدِي ) * أولي القوّة في الطاعة * ( والأَبْصارِ ) * وأولي البصيرة في الدين . أو المعنى : أولي الأعمال الجليلة والعلوم الشريفة . ولمّا كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي غلَّبت ، فقيل في كلّ عمل : هذا ممّا عملت أيديهم ، وإن كان عملا لا يتأتّى فيه المباشرة بالأيدي ، أو كان العمّال جذما « 1 » لا أيدي لهم . وفيه تعريض بأنّ الَّذين لا يعملون أعمال الآخرة ، ولا يجاهدون في اللَّه ، ولا يفكّرون أفكار ذوي الديانات ، ولا يستبصرون ، في حكم الزمنى « 2 » الَّذين لا يقدرون على أعمال جوارحهم ، والمسلوبي العقول الَّذين لا استبصار لهم . * ( إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ ) * أي : جعلناهم خالصين لنا * ( بِخالِصَةٍ ) * بخصلة خالصة لا شوب فيها . يعني : بسبب هذه الخصلة أخلصناهم . أو أخلصناهم بتوفيقهم لها ، واللطف بهم في اختيارها . ثمّ فسّر هذه الخصلة الخالصة بقوله : * ( ذِكْرَى الدَّارِ ) * تذكيرهم الآخرة ، وترغيبهم فيها ، وتزهيدهم في الدنيا ، كما هو شأن الأنبياء وديدنهم . وإنّما قال : خلوصهم في الطاعة بسبب التذكير ، لأنّ مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون جوار اللَّه والفوز بلقائه ، وذلك في الآخرة .
--> ( 1 ) أي : مقطوعي الأيدي . ( 2 ) أي : المبتلين بالزمانة وتعطيل القوى .