الملا فتح الله الكاشاني
68
زبدة التفاسير
فالحكمة الَّتي أوتيها العبد خير كثير في نفسها ، إلَّا أنّها إذا أضيفت إلى علم اللَّه فهي قليلة . وقيل : هو خطاب لليهود خاصّة ، لأنّهم قالوا للنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : قد أوتينا التوراة ، وفيها الحكمة ، وقد تلوت : * ( ومَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) * . فقيل لهم : إنّ علم التوراة قليل في جنب علم اللَّه . ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِه عَلَيْنا وَكِيلاً ( 86 ) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَه كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ( 87 ) ثمّ امتنّ سبحانه ببقاء القرآن بعد المنّة في تنزيله ، فقال : * ( ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) * اللام الأولى توطئة للقسم ، و « لنذهبنّ » جوابه النائب مناب جزاء الشرط . والمعنى : إن شئنا ذهبنا بالقرآن ، ومحوناه من المصاحف والصدور ، فلم نترك له أثرا ، وبقيت كما كنت لا تدري ما الكتاب . * ( ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِه عَلَيْنا وَكِيلاً ) * من يتوكّل علينا استرداده وإعادته مسطورا محفوظا . * ( إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) * إلَّا أن يرحمك ربّك فيردّه عليك ، كأنّ رحمته تتوكّل عليه بالردّ . ويجوز أن يكون استثناء منقطعا ، بمعنى : ولكن رحمة من ربّك تركته غير مذهوب به . * ( إِنَّ فَضْلَه كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ) * كإرساله ، وإنزال الكتاب عليه ، وإبقائه في حفظه . فعلى كلّ ذي علم أن لا يغفل عن هاتين النعمتين والقيام بشكرهما . عن ابن مسعود : إنّ أوّل ما تفقدون من دينكم الأمانة ، وآخر ما تفقدون الصلاة ، وليصلَّينّ قوم ولا دين لهم ، وإنّ هذا القرآن تصبحون يوما وما فيكم منه شيء . فقال رجل : كيف ذلك وقد أثبتناه في قلوبنا ، وأثبتناه في مصاحفنا ، نعلَّمه أبناءنا ، ويعلَّمه أبناؤنا أبناءهم ؟ فقال : يسرى عليه ليلا فيصبح الناس منه فقراء ، ترفع المصاحف ، وينزع ما في القلوب .