الملا فتح الله الكاشاني
580
زبدة التفاسير
وهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وحِجْراً مَحْجُوراً ( 53 ) وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَه نَسَباً وصِهْراً وكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 ) ثمّ بيّن قدرة أخرى من أقداره الكاملة ، فقال : * ( وهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ) * خلَّاهما وأرسلهما متجاورين متلاصقين ، بحيث لا يتمازجان . من : مرج دابّته إذا خلَّاها . * ( هذا عَذْبٌ ) * طيّب ذو حلاوة * ( فُراتٌ ) * قامع للعطش من فرط عذوبته ، فإنّ أصله القمع * ( وهذا مِلْحٌ أُجاجٌ ) * بليغ الملوحة . * ( وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً ) * حاجزا من قدرته ، كقوله تعالى : * ( بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ) * « 1 » وهو قدرته * ( وحِجْراً مَحْجُوراً ) * وتنافرا بعيدا ، كأنّ كلَّا منهما يقوله للآخر ما يقوله المتعوّذ للمتعوّذ عنه . وهي هاهنا واقعة على سبيل المجاز ، كما قال : * ( لا يَبْغِيانِ ) * « 2 » أي : لا يبغي أحدهما على صاحبه بالممازجة . فانتفاء البغي ثمّة كالتعوّذ هاهنا . فجعل كلّ واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه ، فهو يتعوّذ منه . وهي من أحسن الاستعارات ، وأشهدها على البلاغة . وقيل : معناه : حدّا محدودا . وذلك كدجلة تدخل البحر فتشقّه ، فتجري في خلاله فراسخ لا يتغيّر طعمها . وقيل : المراد بالبحر العذاب النهر العظيم مثل النيل ، وبالبحر الملح البحر الكبير ، وبالبرزخ ما يحول بينهما من الأرض ، فتكون القدرة في الفصل واختلاف الصفة ، مع أنّ
--> ( 1 ) الرعد : 2 . ( 2 ) الرحمن : 20 .