الملا فتح الله الكاشاني

540

زبدة التفاسير

يَسْتَأْذِنُوه ) * يستأذنوا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فيأذن لهم ، فإنّ ذلك كالمصداق لصحّة كمال الإيمان ، والمميّز للمخلص فيه عن المنافق ، فإنّ عادتهم التسلَّل والفرار . وفيه تعظيم الجرم في الذهاب عن مجلس رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بغير إذنه . ولذلك جعل ترك ذهابهم حتّى يستأذنوه ثالث الإيمان باللَّه والإيمان برسوله ، وجعلهما كالتشبيب « 1 » له والبساط لذكره ، مع تصدير الجملة ب‍ « إنّما » ، وإيقاع المؤمنين مبتدأ مخبرا عنه بموصول أحاطت صلته بذكر المؤمنين . ثمّ عقّبه بما يزيده توكيدا وتشديدا ، حيث أعاده على أسلوب آخر أبلغ من الأوّل بقوله : * ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّه ورَسُولِه ) * فإنّه يفيد أنّ المستأذن مؤمن لا محالة ، وأنّ الذاهب بغير إذن ليس كذلك . * ( فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ ) * لما يعرض لهم من المهامّ * ( فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ) * وفيه أيضا مبالغة وتضييق للأمر ، حيث فوّض الأمر إلى رسوله ، ولم يأمره بالإذن . * ( وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّه ) * بعد الإذن ، فإنّ الاستئذان ولو لعذر قصور ، لأنّه تقديم لأمر الدنيا على أمر الدين * ( إِنَّ اللَّه غَفُورٌ ) * لفرطات العباد * ( رَحِيمٌ ) * بالتيسير عليهم . واعلم أنّ الأمر الجامع لمّا كان خطبا جليلا ، لا بدّ للرسول فيه من ذوي رأي وقوّة ، يظاهرونه عليه ويعاونونه ، ويستضئ بآرائهم ومعارفهم وتجاربهم في كفايته . فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال ممّا يشقّ على قلبه ، ويشتّت عليه رأيه . فمن ثمّ غلَّظ عليهم ، وضيّق عليهم الأمر في الاستئذان ، مع العذر المبسوط ، ومساس الحاجة إليه ، وأكّد زيادة تأكيد في النهي عن الذهاب ، حيث جعل عدم الذهاب ثالث الإيمانين كما ذكر . ثمّ لم يأمره بالإذن ، بل جعله مخيّرا بين المعذورين . ثمّ أمر رسوله بالاستغفار ، وذكر المغفرة للمعذورين الذاهبين ، الدالّ على أنّهم مع الاستئذان بالذهاب كأنّهم مذنبون . وهذا الحكم

--> ( 1 ) أي : الابتداء به . من : شبّ الكتاب : ابتدأ به .