الملا فتح الله الكاشاني
417
زبدة التفاسير
ثمّ بيّن عجز الأصنام ، فقال خطابا لجميع المكلَّفين : * ( يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ ) * للأصنام وعبدتها ، أي : بيّن لكم حال مستغربة أو قصّة رائعة ، ولذلك سمّاها مثلا * ( فَاسْتَمِعُوا لَه ) * للمثل استماع تدبّر وتفكّر . * ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ) * يعني : الأصنام . وكانت ثلاثمائة وستّين صنما حول الكعبة . وقرأ يعقوب وأبو عمرو وحفص وحمزة بالياء . والرّاجع إلى الموصول محذوف . * ( لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً ) * لا يقدرون على خلقه مع صغره ، لأنّ « لن » بما فيها من تأكيد النفي دالَّة على أنّ خلق الذباب منهم مستحيل مناف لأحوالهم . كأنّه قال : محال أن يخلقوا الذباب . وهو من الذبّ ، لأنّه يذبّ . وجمعه أذبّة وذبّان . * ( وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه ) * هذا بجوابه المقدّر في موضع الحال جيء به للمبالغة ، أي : لا يقدرون على خلقه مجتمعين له متعاونين عليه ، فكيف إذا كانوا منفردين ؟ ! هذا من أبلغ ما أنزله اللَّه في تجهيل قريش واستركاك عقولهم ، والشهادة على أنّ الشيطان قد خزمهم « 1 » بخزائمه ، حيث وصفوا بالإلهيّة - الَّتي تقتضي الاقتدار على المقدورات كلَّها ، والإحاطة بالمعلومات عن آخرها - صورا وتماثيل يستحيل منها أن تقدر على أقلّ ما خلقه اللَّه عزّ وجلّ ، وأذلَّه وأصغره وأحقره ، ولو اجتمعوا لذلك وتساندوا . * ( وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً ) * أي : وأدلّ من ذلك على عجزهم وانتفاء قدرتهم ، أنّ الذباب الَّذي هو الخلق الأقلّ الأذلّ ، لو اختطف منهم شيئا ، فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه * ( لا يَسْتَنْقِذُوه مِنْه ) * لا يقدرون على استنقاذه واستخلاصه منه . قيل : كانوا يطلونها بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب ، فيدخل الذباب من الكوى فيختلسه ويأكله .
--> ( 1 ) يقال : خزم أنف فلان ، أي : أذلَّه وتسخّره . والخزامة : حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير يشدّ فيها الزمام . وجمعها : خزائم .