الملا فتح الله الكاشاني
342
زبدة التفاسير
* ( فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ) * الضمير للحكومة أو الفتوى . روي أنّ داود حكم بالغنم لصاحب الحرث . فقال سليمان - وهو ابن إحدى عشرة سنة - : غير هذا يا نبيّ اللَّه أرفق بالفريقين . قال : وما ذاك ؟ قال : تدفع الغنم إلى صاحب الزرع ، فينتفع بألبانها وأولادها وأشعارها ، والحرث إلى صاحب الغنم ، فيقوم عليه حتّى يعود كهيئة يوم أفسد ، ثمّ يترادّان . فقال داود : القضاء ما قضيت ، وأمضى الحكم بذلك . والصحيح أنّهما جميعا حكما بالوحي ، إلَّا أنّ حكومة سليمان نسخت حكومة داود ، لأنّ الأنبياء لا يجوز أن يحكموا بالظنّ والاجتهاد ولهم طريق إلى العلم . وفي قوله : * ( وكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وعِلْماً ) * دليل على أنّ كليهما كانا مصيبين ، ويبطل قول البلخي وأضرابه من العامّة أنّه يجوز أن يكون ذلك الحكم عن اجتهاد . وتنقيح المبحث : أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إذا كان يوحى إليه ، وله طريق إلى العلم بالحكم ، فلا يجوز أن يحكم بالظنّ . على أنّ الحكم بالظنّ والاجتهاد والقياس ، قد بيّن أصحابنا في كتبهم أنّه لم يتعبّد بها في الشرع إلَّا في مواضع مخصوصة . ولأنّه لو جاز للنبيّ أن يجتهد ، لجاز لغيره أن يخالفه ، كما يجوز للمجتهدين أن يختلفا ، ومخالفة الأنبياء عليهم السّلام تكون كفرا . هذا وقد قال اللَّه سبحانه : * ( وما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) * « 1 » . فأخبر سبحانه أنّه إنّما ينطق عن جهة الوحي . إن قلت : لم لا يجوز الاجتهاد للنبيّ إذا حضرت الواقعة وفقد الوحي ، وكان تأخير الحكم ضررا ؟ وحينئذ لا يلزم العمل بالظنّ مع إمكان العلم ، إذ الفرض عدمه . قلت : إنّ الحكم حينئذ ليس باجتهاد ، لدلالة الوحي على نفي الضرر ، فيكون حكما بالنصّ النوعي .
--> ( 1 ) النجم : 3 - 4 .