الملا فتح الله الكاشاني
333
زبدة التفاسير
الراضة « 1 » من علماء المعاني . وتنقيح الكلام فيه : أنّ قصد إبراهيم عليه السّلام لم يكن إلى أن ينسب العقل الصادر عنه إلى الصنم ، وإنّما قصد تقريره لنفسه ، وإثباته لها على أسلوب تعريضيّ يبلغ فيه غرضه من إلزام الحجّة وتبكيتهم . وهذا كما لو قال لك صاحبك وقد كتبت كتابا بخطَّ رشيق - وأنت شهير بحسن الخطَّ - : أأنت كتبت هذا ، وصاحبك أمّي لا يحسن الخطَّ ، ولا يقدر إلَّا على خرمشة « 2 » فاسدة ؟ فقلت له : بل كتبته أنت . كأنّ قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به ، لا نفيه عنك وإثباته للأمّي أو المخرمش ، لأنّ إثباته - والأمر دائر بينكما للعاجز منكما - استهزاء به وإثبات للقادر . ولقائل أن يقول : غاضته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفّة مرتّبة ، وكان غيظ كبيرها أكبر وأشدّ ، لما رأى من زيادة تعظيمهم له ، فأسند الفعل إليه ، لأنّه هو الَّذي تسبّب لاستهانته بها وحطمه لها ، والفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى الحامل عليه . ويجوز أن يكون حكاية لما يقود إلى تجويزه مذهبهم إلزاما لهم . كأنّه قال لهم : ما تنكرون أن يفعله كبيرهم ؟ فإنّ من حقّ من يعبد ويدعى إلها أن يقدر على هذا وأشدّ منه . ويحكى أنّه قال : فعله كبيرهم هذا حين غضب أن تعبد معه هذه الصغار وهو أكبر منها . وقيل : إنّه في المعنى متعلَّق بقوله : « إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ » وما بينهما اعتراض . فعلَّق الكلام بشرط لا يوجد ، فلا يكون كذبا ، كقول القائل : فلان صادق فيما يقول إن لم يكن فوقنا سماء . وقيل : الضمير ل « فتى » أو إبراهيم ، ولذلك وقف على « فعله » ، ويبتدأ فيقرأ : « كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ » .
--> ( 1 ) أي : المهرة الخبراء في تذليل صعاب المسائل وتطويعها . جمع رائض . ( 2 ) في هامش النسخة الخطَّية : « قال الأزهري : الخرمشة إفساد الكتاب والعمل ونحوه . منه » . انظر تهذيب اللغة للأزهري 7 : 646 .