الملا فتح الله الكاشاني
310
زبدة التفاسير
المدينة . تريد : مكّي أو مدنيّ . ومعنى نسبتها إلى الأرض : الإيذان بأنّها الأصنام الَّتي تعبد في الأرض ، لأنّ الآلهة على ضربين : أرضيّة وسماويّة . ومن ذلك حديث الأمة الَّتي قال لها رسول اللَّه : « أين ربّك ؟ فأشارت إلى السماء . فقال : إنّها مؤمنة » . لأنّه فهم منها أنّ مرادها نفي الآلهة الأرضيّة الَّتي هي الأصنام ، لا إثبات السماء مكانا للَّه عزّ وجلّ . ففائدة قوله : « من الأرض » التحقير دون التخصيص . ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض ، لأنّها إمّا أن تنحت من بعض الحجارة ، أو تعمل من بعض جواهر الأرض . ثمّ دلّ سبحانه على توحيده ، فقال : * ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّه ) * غير اللَّه . وصفت ب « إلَّا » لمّا تعذّر الاستثناء ، لعدم الجزم بشمول ما قبلها لما بعدها ليكون متّصلا ، ولا بعدمه ليكون منفصلا . ولا يجوز الرفع على البدل ، لأنّ « لو » بمنزلة « إن » في أنّ الكلام معه موجب ، والبدل لا يسوغ إلَّا في كلام غير موجب ، كقوله تعالى : * ( ولا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ) * « 1 » . وذلك لأنّ أعمّ العامّ يجوز نفيه ، ولا يصحّ إيجابه ، لأنّه يصحّ أن يقال : ما في الدار إلَّا زيد ، ولا يصحّ : في الدار جميع الأشياء إلَّا زيد . والمعنى : لو كان يتولَّاهما ويدبّر أمرهما آلهة شتّى غير الواحد الَّذي هو فاطرهما * ( لَفَسَدَتا ) * لبطلتا ، لما يكون بينهما من الاختلاف والتمانع ، فإن توافقت على المراد تطاردت عليه القدر ، وإن تخالفت تعاوقت عنه . وفيه دلالة على أمرين : أحدهما : وجوب أن لا يكون مدبّرهما إلَّا واحدا . والثاني : أن لا يكون ذلك الواحد إلَّا إيّاه وحده ، لقوله : « إلَّا اللَّه » . وذلك لعلمنا أنّ الرعيّة تفسد بتدبير الملكين ، لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف . وهو ظاهر . وفي هذا دليل التمانع الَّذي بنى عليه المتكلَّمون مسألة التوحيد .
--> ( 1 ) هود : 81 .