الملا فتح الله الكاشاني
237
زبدة التفاسير
ولمّا أخبر سبحانه موسى بأنّه آتاه طلبته وأعطاه سؤله ، عدّد عقيبه ما تقدّم ذلك من نعمه عليه ومننه لديه ، فقال : * ( ولَقَدْ مَنَنَّا ) * أنعمنا * ( عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى ) * في وقت آخر ، إنعاما متواليا من صغرك إلى الوقت الَّذي أعطينا سؤلك فيه . ثمّ بيّن سبحانه تلك النعمة بقوله : * ( إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ) * بإلهام ، كقوله : * ( وأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) * « 1 » . أو في منام . أو على لسان نبيّ في وقتها ، كقوله : * ( وإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ ) * « 2 » أو على لسان ملك لا على وجه النبوّة ، كما أوحى إلى مريم * ( ما يُوحى ) * أمرا لا يعلم إلَّا بالوحي ، أو ممّا ينبغي أن يوحى ، لعظم شأنه ، وفرط الاهتمام به ، لأنّه يتضمّن مصلحة دينيّة ، فوجب أن يوحى ولا يخلّ به . ثمّ فسّر ذلك الإيحاء بقوله : * ( أَنِ اقْذِفِيه فِي التَّابُوتِ ) * فإنّ « أن » هي المفسّرة والمعنى : اقذفيه ، لأنّ الوحي بمعنى القول . * ( فَاقْذِفِيه فِي الْيَمِّ ) * والقذف مستعمل في معنى الإلقاء والوضع ، كقوله : * ( وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ) * « 3 » . وكذلك الرمي ، كقوله : غلام رماه اللَّه بالحسن يافعا « 4 » . . . أي : حصل فيه ووضعه فيه حال كونه غير بالغ . ولمّا كان إلقاء اليمّ إيّاه إلى الساحل أمرا واجب الحصول ، لتعلَّق الإرادة به ، جعل البحر كأنّه ذو تمييز مطيع أمره بالإلقاء ، وأخرج الجواب مخرج الأمر ، فقال : * ( فَلْيُلْقِه الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ ) * الضمائر كلَّها لموسى عليه السّلام ، لأنّ رجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة ، لما يؤدّي إليه من تنافر النظم القرآني ، وإن كان المقذوف في البحر والملقى إلى الساحل التابوت بالذات وموسى بالعرض . والقانون الَّذي وقع عليه التحدّي ومراعاته
--> ( 1 ) النحل : 68 . ( 2 ) المائدة : 111 . ( 3 ) الأحزاب : 26 . ( 4 ) لأسيد بن عنقاء الفزاري . وتمام البيت : له سيمياء لا تشقّ على البصر