الملا فتح الله الكاشاني

194

زبدة التفاسير

يقوله محمد حقّا فنحن أولى بالجنّة ونعيمها ! فحينئذ أوفّره أجره ، فنزلت : * ( تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا ) * نبقيها عليهم من ثمرة تقواهم ، كما يبقى على الوارث مال مورّثه . والوراثة أقوى لفظ يستعمل في التملَّك والاستحقاق ، من حيث إنّها لا تعقّب بفسخ ولا استرجاع ، ولا تبطل بردّ ولا إسقاط . وقيل : أورثوا من الجنّة المساكن الَّتي كانت لأهل النار لو أطاعوا ، زيادة في كرامتهم . وعن يعقوب : نورّث بالتشديد . واعلم أنّه قد مرّ « 1 » في سورة الكهف أنّه سئل النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عن قصّة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح ، ولم يدر ما يجيب ، ورجا أن يوحى إليه فيه ، فأبطأ عليه خمسة عشر يوما ، وقيل : أربعين ، حتّى قال المشركون : ودّعه ربّه وقلاه ، فشقّ ذلك عليه مشقّة شديدة . ثمّ نزل جبرئيل ببيان ذلك . فقال رسول اللَّه : أبطأت وإنّي اشتقت إليك . قال : إنّي كنت أشوق ، ولكنّي عبد مأمور ، إذا بعثت نزلت ، وإذا حبست احتبست . فنزلت : * ( وما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ) * فهو حكاية قول جبرئيل حين استبطأه النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . والتنزّل : النزول على مهل ، لأنّه مطاوع : نزل . وقد يطلق بمعنى النزول مطلقا ، كما يطلق « نزل » بمعنى : أنزل . والمعنى : ما نتنزّل وقتا غبّ وقت إلَّا بأمر اللَّه على ما تقتضيه حكمته . * ( لَه ما بَيْنَ أَيْدِينا ) * ما قدّامنا * ( وما خَلْفَنا ) * من الجهات والأماكن * ( وما بَيْنَ ذلِكَ ) * وهو ما نحن فيه من الأماكن والأحايين * ( وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) * لأعمال العاملين وغيرها ، فإنّه لا يجوز عليه الغفلة والنسيان . والمعنى : ما كان عدم نزولنا إليك إلَّا لعدم الأمر به ، فأنّى لنا أن نتقلَّب في ملكوته ، ونتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة ، ومكان إلى مكان ، إلَّا بأمر المليك ومشيئته ، وهو الحافظ العالم بكلّ حركة وسكون . وما يحدث ويتجدّد من الأحوال لا يجوز عليه الغفلة

--> ( 1 ) راجع ص 100 ذيل الآية 24 من سورة الكهف .