الملا فتح الله الكاشاني

18

زبدة التفاسير

ينبّهنا على النظر في أدلَّة العقل . وعلى هذا التأويل تكون الآية عامّة في العقليّات والنقليّات . وقال أكثر المفسّرين ، وهو الأصح : إنّ المراد بالآية أنّه لا يعذّب سبحانه في الدنيا ولا في الآخرة إلَّا بعد البعثة . فتكون الآية خاصّة فيما يتعلَّق بالسمع من الشرعيّات . فأمّا ما كانت الحجّة من جهة العقل ، وهو الإيمان باللَّه تعالى ، فإنّه يجوز العقاب بتركه وإن لم يبعث الرسول ، عند من قال : إنّ التكليف العقلي ينفكّ من التكليف السمعي . على أنّ المحقّقين منهم يقولون : إنّه وإن جاز التعذيب عليه قبل بعثة الرسول ، فإنّ اللَّه سبحانه لا يفعل ذلك ، مبالغة في الكرم والفضل والإحسان والطول . وإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ( 16 ) * ( وإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ) * إذا دنا وقت إرادتنا بإهلاك أهل قرية بعد قيام الحجّة عليهم وإرسال الرسل إليهم . وقيل : ذكر الإرادة على التجوّز والاتّساع ، وإنّما عنى بها قرب الهلاك والعلم بكونه لا محالة ، كما يقال إذا أراد العليل أن يموت : خلط في مأكله ويسرع إلى ما تتوق نفسه إليه ، وإذا أراد التاجر أن يفتقر : أتاه الخسران من كلّ وجه . ومعلوم أنّ العليل والتاجر لم يريدا في الحقيقة شيئا من ذلك ، لكن لمّا كان من المعلوم من حال هذا الهلاك ، ومن حال ذلك الخسران ، حسن هذا الكلام ، واستعمل ذكر الإرادة لهذا الوجه . ولكلام العرب إشارات واستعارات ومجازات ، وكان كلامهم بهذا يصير في الغاية القصوى من الفصاحة والبلاغة . فالمعنى : إذا قرب وقت تعلَّق علمنا بإهلاك أهل قرية * ( أَمَرْنا مُتْرَفِيها ) * متنعّميها بالإيمان والطاعة على لسان رسول بعثناه إليهم ، توكيدا للحجّة عليهم . ويدلّ على ذلك ما