الملا فتح الله الكاشاني
159
زبدة التفاسير
إسرائيل ، كان من أولاد هارون بن عمران . * ( إِذْ نادى رَبَّه نِداءً خَفِيًّا ) * دعا ربّه دعاء خفيّا . والإخفاء والجهر وإن كانا سيّان عند اللَّه ، لكن الإخفاء أشدّ إخباتا وأكثر إخلاصا . وفي الحديث : « خير الدعاء الخفيّ ، وخير الرزق ما يكفي » . وقيل : قيّد النداء به لئلَّا يهزؤا به على طلب الولد وقت الشيخوخة ، فيقولوا : انظروا إلى الشيخ الهمّ يسأل الولد على الكبر . أو لئلَّا يطَّلع عليه مواليه الَّذين خافهم . أو لأنّ ضعف الهرم أخفى صوته . واختلف في سنّة حينئذ ، فقيل : ستّون . وقيل : سبعون . وقيل : خمس وسبعون . وقيل : خمس وثمانون . وقيل : تسع وتسعون . ثمّ فسّر النداء بقوله : * ( قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ) * أي : ضعف . وتخصيص العظم لأنّه دعامة البدن وقوامه وأصل بنيانه ، فإذا وهن تساقطت قوّته . ولأنّه أصلب ما فيه ، فإذا ضعف كان ما وراءه أضعف . وتوحيده لأنّ الواحد هو الدالّ على معنى الجنس ، وقصده إلى أنّ هذا الجنس الَّذي هو العمود والقوام وأشدّ ما تركّب منه الجسد قد أصابه الوهن . ولو جمع لكان يفيد معنى آخر ، وهو أنّه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلَّها . * ( وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ) * أدغم أبو عمرو السين في الشين . شبّه الشيب في بياضه وإنارته بشواظ « 1 » النار ، وانتشاره وفشوّه في الشعر وأخذه منه كلّ مأخذ باشتعالها . ثمّ أخرجه مخرج الاستعارة ، وأسند الاشتعال إلى الرأس الَّذي هو مكان الشيب ومنبته مبالغة . وجعله مميّزا إيضاحا للمقصود . واكتفى باللام عن الإضافة ، للدلالة على أنّ علم المخاطب بتعيّن المراد يغني عن التقييد . ولهذا فصحت هذه الجملة ، وشهد لها بالبلاغة . * ( وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ ) * بدعائي إيّاك فيما مضى * ( شَقِيًّا ) * محروما ، بل كلَّما دعوتك استجبت لي . وهو توسّل بما سلف معه من الاستجابة ، وتنبيه على أنّ المدعوّ له
--> ( 1 ) الشواظ : لهب لا دخان فيه .