الملا فتح الله الكاشاني

51

زبدة التفاسير

عددهم وعددهم ، وأوهمهم أنّ اتّباعهم إيّاه فيما يظنّون أنّها قربات مجير لهم ، حتّى قالوا : اللَّهمّ انصر أهدى الفئتين ، وأفضل الدينين ، كما ذكر . * ( فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ ) * أي : تلاقى الفريقان * ( نَكَصَ عَلى عَقِبَيْه ) * رجع القهقرى ، أي : بطل كيده ، وعاد ما خيّل إليهم أنّه مجيرهم سبب هلاكهم * ( وقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ ) * من إمداد الملائكة للمسلمين * ( إِنِّي أَخافُ اللَّه ) * أخاف عذاب اللَّه على أيدي من أراهم . يعني : تبرّأ منهم ، وخاف عليهم ، وأيس من حالهم ، لمّا رأى إمداد اللَّه تعالى المسلمين بالملائكة . قيل : لمّا اجتمعت قريش على المسير ذكروا ما بينهم وبين كنانة من الحرب ، وكاد ذلك يثبّطهم ، فتمثّل لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكناني - وكان من أشرافهم - في جند من الشياطين معه راية ، وقال : لا غالب لكم اليوم ، وإنّي مجيركم من بني كنانة ، فلمّا رأى الملائكة تنزل نكص . وروي : كانت يده في يد الحارث بن هشام ، فلمّا نكص قال له الحارث : إلى أين ؟ أتخذلنا في هذه الحال ؟ قال : إنّي أرى ما لا ترون ، ودفع في صدر الحارث وانطلق . وانهزموا ، فلمّا بلغوا مكّة قالوا : هزم الناس سراقة . فبلغ ذلك سراقة فقال : واللَّه ما شعرت بمسيركم حتّى بلغتني هزيمتكم . فلمّا أسلموا علموا أنّه الشيطان . وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد اللَّه عليهما السّلام . ونقل عن الكلبي . وهذا هو المشهور بين المفسّرين . وعلى هذا يحتمل أن يكون معنى قوله : « إِنِّي أَخافُ اللَّه » أنّي أخافه أن يصيبني مكروها من الملائكة ، أو يهلكني . ويكون الوقت في قوله : * ( إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) * « 1 » هذا الوقت الموعود ، إذ رأى فيه ما لم ير قبله ، فإنّ الملائكة لا ينزلون إلَّا لقيام الساعة أو للعذاب . والأوّل قول الحسن ، واختيار ابن بحر .

--> ( 1 ) الحجر : 38 .