الملا فتح الله الكاشاني
183
زبدة التفاسير
عمّن أساء إليكم مع قدرتكم على المؤاخذة على إساءته . والعفو هنا هو المقصود ، وذكر إبداء الخير وإخفائه تسبيب وتمهيد وتوطئة له ، ولذلك رتّب عليه قوله : * ( فَإِنَّ اللَّه كانَ عَفُوًّا قَدِيراً ) * أي : يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام ، فأنتم أولى بذلك . فعليكم أن لا تعتدوا عن سنّة اللَّه . فهو حثّ للمظلوم على العفو بعد ما رخّص له في الانتصار ، حملا على مكارم الأخلاق . إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّه ورُسُلِه ويُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّه ورُسُلِه ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ( 150 ) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ( 151 ) والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّه ورُسُلِه ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وكانَ اللَّه غَفُوراً رَحِيماً ( 152 ) ولمّا قدّم سبحانه ذكر المنافقين ، عقّبه بذكر أهل الكتاب والمؤمنين ، فقال : * ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّه ورُسُلِه ويُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّه ورُسُلِه ) * بأن يؤمنوا باللَّه ويكفروا برسله * ( ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ) * نؤمن ببعض الأنبياء ، ونكفر ببعضهم * ( ويُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ) * طريقا وسطا . ولا واسطة بين الكفر والإيمان ، إذ الحقّ لا يختلف ، فإن الإيمان باللَّه إنّما يتمّ بالإيمان برسله وتصديقهم فيما بلَّغوا عنه إجمالا أو تفصيلا ، فالكافر ببعض ذلك كالكافر بالكلّ في الضلال ، كما قال : * ( فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ ) * « 1 » . ولذلك قال بعد ذلك : * ( أُولئِكَ هُمُ
--> ( 1 ) يونس : 32 .