الملا فتح الله الكاشاني

60

زبدة التفاسير

وأطلق الإيمان على معنى أنّهم ليسوا من الإيمان في شيء . وهم في هذا القول يزعمون أنّهم * ( يُخادِعُونَ اللَّه والَّذِينَ آمَنُوا ) * . الخدع أن توهم صاحبك خلاف ما تخفيه من المكروه لتزلَّه عمّا هو بصدده . وأصله الإخفاء ، ومنه : المخدع للخزانة . والمخادعة تكون بين اثنين . وخداعهم مع اللَّه ليس على ظاهره ، لأنّه لا يخفى عليه خافية ، ولأنّهم لم يقصدوا خديعته ، بل المراد إمّا مخادعة رسول اللَّه على حذف المضاف ، أو على أن معاملة الرسول معاملة اللَّه من حيث إنّه خليفته ، وهذا مثل أن يقال : قال الملك كذا ، وإنّما القائل وزيره أو خاصّته الَّذين قولهم قوله . ويؤيّده قوله تعالى : * ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّه ) * « 1 » * ( إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّه ) * « 2 » . وإما أن صورة صنيعهم مع اللَّه - من إظهار الإيمان ، واستبطان الكفر ، وصنع اللَّه معهم في إخفاء حالهم ، وإجراء أحكام الإسلام عليهم ، وهم عنده أخبث الكفّار وأهل الدّرك الأسفل من النار ، استدراجا لهم ، وامتثال الرسول والمؤمنين أمر اللَّه في إخفاء حالهم ، وإجراء أحكام الإسلام عليهم ، مجازاة لهم بمثل صنيعهم - صورة صنيع المتخادعين . ويحتمل أن يراد ب « يخادعون » يخدعون ، لأنّه بيان ل « يقول » ، إلَّا أنّه أخرج في زنة « فاعل » للمبالغة ، فإنّ الزنة لمّا كانت للمغالبة ، والفعل متى غولب فيه فاعله كان أبلغ منه إذا جاء بلا مقابلة معارض ، استصحبت ذلك ، لأنّه يزيد قوّة الداعي دفعا لمعارضته . وللمبالغة المذكورة قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : * ( وما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ) * . وغيرهم يقرؤن : يخدعون ، لأنّ المخادعة لا تتصوّر إلَّا بين اثنين . وكان غرضهم في إظهار الإيمان مع كفر الباطن أن يدفعوا عن أنفسهم ما يتطرّق بالكفرة من النوائب الصادرة عن المسلمين ، وأن يفعل بهم ما يفعل بالمؤمنين

--> ( 1 ) النساء : 80 . ( 2 ) الفتح : 10 .