الملا فتح الله الكاشاني

56

زبدة التفاسير

سَمْعِه وقَلْبِه ) * « 1 » ، وللوفاق على الوقف عليه ، ولأنّهما لمّا اشتركا في الإدراك من جميع الجوانب جعل ما يمنعهما من خاصّ فعلهما الختم الَّذي يمنع من جميع الجهات ، وإدراك الأبصار لمّا اختصّ بجهة المقابلة جعل المانع لها من فعلها الغشاوة المختصّة بتلك الجهة . وكرّر الجارّ ليكون أدلّ على شدّة الختم في الموضعين ، واستقلال كلّ منهما بالحكم . وتوحيد « السمع » للأمن عن اللبس ، واعتبار الأصل ، فإنّه مصدر في أصله والمصادر لا تجمع ، أو على تقدير مضاف مثل : وعلى حواسّ سمعهم . والأبصار جمع بصر ، وهو إدراك العين ، كما أنّ البصيرة نور القلب وهو ما به يستبصر ويتأمّل . وقد يطلق مجازا على القوّة الباصرة وعلى العضو . وكذا السمع . ويجوز أن يراد بهما في الآية العضو ، لأنّه أشدّ مناسبة للختم والتغطية ، وبالقلب ما هو محلّ العلم ، وقد يطلق ويراد به العقل والمعرفة ، كما قال اللَّه تعالى : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَه قَلْبٌ ) * « 2 » . وإنّما جاز إمالة الألف مع الصاد لأنّ الراء المكسورة تغلب المستعلية ، لما فيها من التكرير . والختم والكتم أخوان ، لأنّ في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه كتما له وتغطية لئلَّا يتوصّل إليه ولا يطَّلع عليه . والغشاوة الفعالة من : غشاه إذا غطَّاه ، بنيت لما اشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة . و « غشاوة » مرفوع بالابتداء عند سيبويه ، وبالجارّ والمجرور عند الأخفش . ثم وعدهم لما يستحقّونه فقال : * ( ولَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) * . العذاب كالنكال بناء ومعنى . وأصله الإمساك والمنع ، ومنه : الماء العذب ، لأنّه يقمع العطش ويردعه ، ثمّ اتّسع وأطلق على كلّ ألم شديد وإن لم يكن نكالا ، أي : عقابا يردع الجاني عن المعاودة ، فهو أعمّ منهما . وقيل : اشتقاقه من التعذيب الَّذي هو إزالة العذب .

--> ( 1 ) الجاثية : 23 . ( 2 ) ق : 37 .