الملا فتح الله الكاشاني
48
زبدة التفاسير
الملك من اللَّه تعالى تلقّفا روحانيّا ، أو يحفظه من اللوح المحفوظ ، فينزل به فيلقيه على الرسول . وإنّما عبّر عنه بلفظ المضيّ وإن كان بعضه مترقّبا تغليبا للموجود على ما لم يوجد ، أو تنزيلا للمنتظر منزلة الواقع ، ونظيره قوله تعالى : * ( إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ) * « 1 » ، فإنّ الجنّ لم يسمعوا جميعه ، ولم يكن الكتاب حينئذ كلَّه منزلا . * ( وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) * يعنى سائر الكتب السابقة ، والإيمان بها إجمالا فرض عين ، وبالأوّل تفصيلا ، لأنّا متعبّدون بتفاصيله ، بخلاف الشرائع السالفة . * ( وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) * إيقانا زال معه ما كان اليهود والنصارى عليه من أنّ الجنّة لا يدخلها إلَّا من كان هودا أو نصارى ، وأنّ النار لن تمسّهم إلَّا أيّاما معدودة ، واختلافهم في نعيم الجنّة أهو من جنس نعيم الدنيا أو غيره ؟ وفي دوامه وانقطاعه . وفي تقديم الصلة وبناء « يوقنون » على « هم » تعريض لمن عداهم من أهل الكتاب بأنّ اعتقادهم في أمر الآخرة غير مطابق ولا صادر عن إيقان . فهذه الآية معطوفة على « الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ » ، فمؤمنوا أهل الكتاب داخلون معهم في جملة المتّقين دخول أخصّين تحت الأعمّ . ويحتمل أن يراد بهم الأوّلون بأعيانهم . ووسّط بالعاطف الجامع ليدلّ على أنّهم الجامعون بين الإيمان بما يدركه العقل ، والإتيان بما يصدّقه من العبادات البدنيّة والماليّة ، وبين الإيمان بما لا طريق إليه غير السمع . وكرّر الموصول فيها تنبيها على بيان السبيلين . واليقين إتقان العلم بنفي الشكّ والشبهة عنه نظرا واستدلالا ، ولذلك لا يوصف به علم القديم ولا العلوم الضروريّة .
--> ( 1 ) الأحقاف : 30 .