الملا فتح الله الكاشاني
32
زبدة التفاسير
والصدّيقين والشهداء والصالحين ، وهم الَّذين ذكرهم اللَّه تعالى في قوله : * ( ومَنْ يُطِعِ اللَّه والرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصَّالِحِينَ ) * « 1 » فيكون ذلك شهادة لصراطهم بالاستقامة على آكد الوجوه ، كما تقول : هل أدلَّك على أكرم الناس فلان ؟ فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم من قولك : هل أدلَّك على فلان الأكرم ؟ لأنّك بيّنت كرمه مجملا أوّلا ، ومفصّلا ثانيا ، وأوقعت فلانا تفسيرا للأكرم فجعلته علما في الكرم ، فكأنّك قلت : من أراد رجلا جامعا للكرم فعليه بفلان ، فهو المعيّن لذلك لا غير . وأطلق الإنعام ليشمل كلّ إنعام . والإنعام : إيصال النعمة ، وهي في الأصل الحالة الَّتي يستلذّها الإنسان ، فأطلقت لما يستلذّه من النعمة . وقرأ حمزة « عليهم » بضمّ الهاء وإسكان الميم ، نظرا إلى أصله المفرد وهو « هم » . وكذلك : لديهم ، وإليهم . وقرأ يعقوب بضمّ كلّ هاء قبلها ياء ساكنة ، في التثنية والجمع المذكّر والمؤنّث ، نحو : عليهما ، وفيهما ، وعليهم ، وفيهم ، وعليهنّ ، وفيهنّ . وقرأ الباقون « عليهم » وأخواتها بالكسر أمنا من اللبس . وأهل الحجاز وصلوا الميم انضمّت الهاء قبلها أو انكسرت . ونعم اللَّه - وإن كانت لا تحصى ، كما قال تعالى : * ( وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّه لا تُحْصُوها ) * « 2 » - تنحصر في جنسين : دنيويّ ، وأخرويّ . والأوّل قسمان : موهبي ، وكسبي . والموهبي قسمان : روحانيّ ، كنفخ الروح فيه ، وإشراقه بالعقل وما يتبعه من القوى كالفهم والفكر والنطق . وجسمانيّ ، كتخليق البدن والقوى الحالَّة فيه ، والهيئات العارضة له من الصحّة وكمال الأعضاء . والكسبيّ كتزكية النفس عن الرذائل ، وتحليتها بالأخلاق الحسنة ، وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة ، وحصول الجاه والمال .
--> ( 1 ) النساء : 69 . ( 2 ) النحل : 18 .