علي أصغر مرواريد

200

الينابيع الفقهية

فإذا أراد الجلوس للقضاء اختار مجلسا بارزا واسعا ليصل إليه من إليه حاجة ، ووسط البلد أفضل من الطرف ، وأمر أن يفرش له فرش يجلس عليه تمييزا له وهيبة ، وتوضأ ولبس أحسن ثيابه وأنظفها ، وفرع نفسه للقضاء عن كل ما يشغله أو يلفته عنه من الغضب والجوع والعطش والخوف والحزن وكل فكر يضر بشئ من ذلك ، وبرز على حسن سمت ووقار ، ودخل مجلس حكمه وصلى ركعتين إن كان في المسجد ، وسلم على كل من سبقه إليه ، وجلس مستدبر القبلة . وينبغي أن يختار ثلاثة نفر ثقة يقوم على رأسه لترتيب الخصوم أولا فأولا ، وكاتبا عدلا فقيها عالما عفيفا عن الطمع ويجلسه بين يديه ليكتب ما يحتاج إليه بنظره ، وقساما عارفا ثقة يقسم بين الناس أموالهم ، ويحضر الشهود ليستوفى بهم الحقوق ويثبت بهم الحجج والمحاضر والسجلات ، ويحضر العلماء ليشاورهم فيما يحتاج إليه وينبهوه على وجه الصواب . ثم يأخذ ديوان الحكم من الحاكم الذي كان قبله وينظر في حال المحبوسين مع خصومهم فإن حبسوا بحق تركهم وإن حبسوا بباطل رد إلى الحق ، وينظر في الحقوق وحال الشهود الذين حكم بشهادتهم وفي أمر الأوصياء ، ويقر الثقات ويقوى الضعيف ويعزل الفاسق ويرتب أمر الضوال ويتفرع لأمر العامة ، فإن ظهر من أحد الخصمين لدد أو عنت أو سفه نهاه فإن عاد صاح به وأغلظ في النهي فإن عاد تجري المصلحة في التأديب والعفو . وهو بالخيار في تتبع حكم الحاكم الأول إلا أن يستعدي المحكوم عليه ، وإذا تتبع وكان قد حكم بالحق أمضاه ، وإن حكم بالباطل نفاه ، وإن اشتبه عليه لسان المدعي أو المدعى عليه أو البينة توقف إلى أن يتضح له ، فإن شهد له شاهدان لم يخل حالهما من ثلاثة أوجه : إما عرف حالهما بالعدالة أو الفسق أو اشتبه عليه ، فالأولى يحكم له من غير توقف ، والثاني لا يحكم به أصلا والثالث يتوقف حتى يعرف حالهما . فإن حكم على ظاهر الاسلام ثم بان له فسقهما نقض الحكم ، ولم تخل البينة من وجهين : فإن كان لهما سداد وضبط وحزم وجودة تحصيل لم يحتج إلى التفريق والوعظ