علي أصغر مرواريد

478

الينابيع الفقهية

الذين كانوا بحضرتهم يتوجهون إلى الكعبة ، فلما انتقل الرسول ع إلى المدينة كانت اليهود الذين بالمدينة يتوجهون إلى بيت المقدس ، فنقلوا إلى الكعبة للمصالح الدينية الكثيرة ، من جملتها ليتميزوا من اليهود كما أراد في الأول أن يتميزوا من كفار مكة . فصل : لا خلاف أن التوجه إلى بيت المقدس قبل النسخ كان فرضا واجبا ، ثم اختلفوا فقال الربيع : كان ذلك على وجه التخيير ، خير الله نبيه ع بين أن يتوجه إلى بيت المقدس وبين أن يتوجه إلى الكعبة . وقال ابن عباس وأكثر المفسرين : كان ذلك فرضا معينا . وهو الأقوى ، لقوله : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها ، فبين تعالى أنه جعلها قبلة ، وظاهر ذلك أنه معين ، لأنه لا دليل على التخيير . ويمكن أن يقال : إنه كان مخيرا بين أن يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس في توجهه إليه وبين أن لا ينتقل لما كان بمكة . على أنه لو ثبت أنه كان مخيرا لما خرج عن كونه فرضا ، كما أن الفرض هو أن يصلى الصلاة في الوقت ثم هو مخير بين أوله وأوسطه وآخره . وقوله " إلا لنعلم " أي ليعلم ملائكتنا ، وإلا فالله كان عالما به . وقال المرتضى فيه وجها مليحا ، أي يعلم هو تعالى وغيره ، ولا يحصل علمه مع علم غيره إلا بعد حصول الاتباع ، فأما قبل حصوله فإنما يكون هو تعالى العالم وحده ، فصح حينئذ ظاهر الآية . وقوله : ممن ينقلب على عقبيه ، قيل فيه قولان : أحدهما : أن قوما ارتدوا عن الاسلام لما حولت القبلة جهلا منهم بما فيها من وجوه الحكمة ، والآخر : أن المراد به كل مقيم على كفره ، لأن جهة الاستقامة إقبال وخلافها إدبار ولذلك وصف الكافر بأنه أدبر واستكبر وقال : لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى ، عن الحق . فصل : ثم قال " وإن كانت لكبيرة " فالضمير يحتمل رجوعه إلى ثلاثة أشياء : القبلة على قول