اليعقوبي

424

تاريخ اليعقوبي

عيسى ، ولم يعرف خبره بعد ذلك . وحبس الرشيد عبد الملك بن صالح بن علي الهاشمي في هذه السنة ، وهي سنة 188 ، وذلك أن ابنه عبد الرحمن ، وكاتبه قمامة بن يزيد ، وكان مولى لعبد الملك ، رفعا عنه أنه يؤهل نفسه للخلافة ، وأنه يراسل رؤساء القبائل والعشائر بالشأم والجزيرة ، وكان نبيلا ، فصيحا ، حسن البيان ، فقال : ما سبب حبسي ؟ فإن كان لذنب اعترفت به ، أو لبلاغ تنصلت منه ، فأحضره الرشيد ، فقال : هذا ابنك عبد الرحمن يذكر ما كنت تدبره من المعصية والشقاق . فقال : ليس يخلو ابني أن يكون مأمورا معذورا ، أو عدوا محذورا ، وقد قال الله تعالى : إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ، فاحذروهم ، قال : فهذا قمامة بن يزيد كاتبك يذكر مثل ذلك ، وقد سأل أن يجمع بينه وبينك . قال : من كذب علي ، وأشاط بدمي لغير مأمون أن يبهتني . وحدثني بعض أشياخنا قال : أخرج الرشيد يوما عبد الملك بن صالح بن علي ، فأقبل عليه ، فقال : كأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع ، وإلى عارضها قد لمع ، وإلى الوعيد قد أورى نارا ، فأقلع عن براجم بلا معاصم ، ورؤوس بلا غلاصم ، فمهلا مهلا بني هاشم ! لا تستوعروا السهل وتستسهلوا الوعر ، ولا تبطروا النعم وتستجلبوا النقم ، فعن قليل يذم ذو الحكم رأيه ، وينكص ذو الحزم على عقبيه ، وتستبدلون الذل بعد العز ، والخوف بعد الامن . فقال عبد الملك : أفذا أتكلم أم توأما ، يعني واحدا أو اثنين ؟ فقال : بل فذا ! قال : فخف الله فيما ولاك ، واحفظه في رعاياك التي استرعاك ، ولا تجعل الكفر موضع الشكر ، ولا العقاب بدل الثواب ، ولا تقطع رحمك التي أوجب الله عليك ، وألزمك حقها ، ونطق الكتاب بأن عقوقها كفر ، واردد الحق على محقه ، ولا تصرف الحق إلى غير أهله ، فلقد جمعت عليك الألسن بعد افتراقها ، وسكنت القلوب بعد نفارها ، وشددت أواخي ملكك بأشد من ركن يلملم ، فكنت كما قال أخو بني جعفر بن كلاب :