اليعقوبي

266

تاريخ اليعقوبي

وقال المضاء بن علوان ، كاتب مصعب بن الزبير : دعاني عبد الملك بعدما قتل مصعبا ، فقال لي : علمت أنه لم يبق من أصحاب مصعب وخاصته أحد إلا كتب إلي يطلب الأمان والجوائز والصلات والاقطاعات ؟ قلت : قد علمت ، يا أمير المؤمنين ، أنه لم يبق من أصحابك أحد إلا وقد كتب إلى مصعب بمثل ذلك ، وهذه كتبهم عندي . قال : فجئني بها ، فجئته بإضبارة عظيمة ، فلما رآها قال : ما حاجتي أن أنظر فيها ، فأفسد صنائعي ، وأفسد قلوبهم علي . يا غلام ! أحرقها بالنار ، فأحرقت . ولما قتل عبد الملك بن مروان مصعب بن الزبير ندب الناس للخروج إلى عبد الله بن الزبير ، فقام إليه الحجاج بن يوسف قال : ابعثني إليه ، يا أمير المؤمنين ، فإني رأيت في المنام كأني ذبحته ، وجلست على صدره ، وسلخته . فقال : أنت له ، فوجهه في عشرين ألفا من أهل الشأم وغيرهم ، وقدم الحجاج بن يوسف ، فقاتلهم قتالا شديدا ، وتحصن بالبيت ، فوضع عليه المجانيق ، فجعلت الصواعق تأخذهم ، ويقول : يا أهل الشأم ! لا تهولنكم هذه ، فإنما هي صواعق تهامة ، فلم يزل يرميه بالمنجنيق ، حتى هدم البيت ، فكتب إليه عبد الملك بن مروان ، وهو في محاربته : أوصيك يا حجاج بما أوصى به البكري زيدا ، والسلام . فقام الحجاج خطيبا فقال : أيكم يدري ما أوصى به البكري زيدا ، وله عشرة آلاف درهم ؟ فقام رجل من القوم فقال : أنا أدري ما أوصى به البكري ، فدعا ببدرة ، فدفعت إليه فقال : أقول لزيد لا تترتر فإنهم * يرون المنايا دون قتلك أو قتلي فإن وضعوا حربا فضعها وإن أبوا * فشب وقود النار بالحطب الجزل فإن عضت الحرب الضروس بنابها * فعرضة حد الحرب مثلك أو مثلي ورأى ابن الزبير من أصحابه تثاقلا عنه ، وكان يجري لهم نصف صاع من تمر ، فقال : أكلتم تمري ، وعصيتم أمري ! وكان شديد البخل .